تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار
الاتفاق مع "قسد": عودة الدولة إلى الجغرافيا وبداية فصل جديد في المسار السوري

- التحولات المتسارعة في المشهد السوري تكشف عن مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، حيث لم تعد التطورات العسكرية والسياسية تجري بمعزل عن سياق أوسع، بل ضمن رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة السورية واستعادة حضورها كإطار جامع للشرعية والقوة. الاتفاق الأخير مع "قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" لا يمكن النظر إليه كحدث محلي فحسب، بل كعلامة فارقة في المسار الوطني السوري، إذ يُجسّد للمرة الأولى منذ سنوات طويلة عودة منطق الدولة الجامعة بوصفها المظلّة النهائية لكل القوى الوطنية. هذا الاندماج التدريجي لقوات "قسد" في بنية الجيش والأمن السوري – حتى وإن تم برعاية أو مراقبة دولية – يُعدّ خطوة عملية نحو إغلاق صفحة الانقسام المسلح، وإعادة توحيد السلاح تحت راية وطنية واحدة. الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور لا تكمن في بعده العسكري فقط، بل في دلالته السياسية؛ فهو يؤشر إلى توازنٍ جديد في الدبلوماسية السورية، التي استطاعت أن توائم بين الواقعية والانفتاح من جهة، والثوابت السيادية من جهة أخرى، دون أن تنزلق نحو تنازلات تمسّ جوهر الدولة. لقد بات واضحاً أن دمشق تمضي في إعادة هندسة علاقاتها الداخلية والخارجية وفق رؤية متكاملة، تتعامل مع الوقائع الميدانية بمرونة محسوبة دون التفريط بمبدأ السيادة الوطنية. من زاوية أوسع، يعكس الاتفاق اتجاهاً نحو تحويل الوجود الأجنبي في سوريا من عبءٍ جيوسياسي إلى أداةٍ مرحلية يمكن توظيفها في تثبيت الاستقرار وبناء الثقة، تمهيداً لمرحلة التمكين الوطني الكامل. فالدولة السورية اليوم لا تكتفي باستعادة الجغرافيا المفقودة، بل تسعى لترسيخ حضورها في الوعي الجمعي كمصدر للشرعية ووحدة القرار. إن ما يجري في الميدان هو، في جوهره، عودة الدولة إلى الجغرافيا بعد أن عادت الجغرافيا إلى الدولة؛ فصلٌ جديدٌ يُعيد تعريف القوة الوطنية ويمنح السوريين فرصة تاريخية لترميم ما تهدّم في العقد الماضي. ومع كل خطوة نحو توحيد البنية الأمنية والعسكرية، يقترب السوريون أكثر من استعادة دولتهم الواحدة الموحدة، التي تستمد قوتها من شعبها لا من موازين الخارج.



