الاعلام والتنمية

تونس أمام «الخريطة الخفية» للمخدرات: أين تتمركز الشبكات وكيف يمكن اصطيادها؟

بقلم نورة حفيّظ- تونس

لم تعد معركة تونس مع المخدرات مجرد مداهمات متفرقة أو إيقاف مروج هنا وآخر هناك. الأرقام والعمليات الأمنية تكشفان عن ظاهرة أكثر تعقيدًا: شبكات تتحرك بين ولايات، تستغل وسائل نقل مختلفة، تقترب من المؤسسات التربوية، وتبحث باستمرار عن طرق جديدة للوصول إلى المستهلك. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كم شخصًا تم إيقافه؟ بل: أين توجد مراكز الثقل؟ ومن يقف خلفها؟ وكيف يمكن الوصول إلى الرأس بدل الاكتفاء بقطع أحد أذرع الشبكة؟
في سنة 2025، سجلت تونس 15,253 قضية مرتبطة بالمخدرات و27,338 شخصًا متورطًا، وفق المعطيات التي قدمتها وزارة الداخلية أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في يونيو 2026.

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة وجود 27 ألف مروّج؛ فملفات المخدرات تشمل أنماطًا مختلفة من المسك والاستهلاك والترويج والتهريب. لكنها تكشف حجم الضغط الذي بات يمثله الملف على المنظومة الأمنية والقضائية.
من الشارع إلى «مراكز التوزيع»
المثير في العمليات المعلنة خلال السنوات الأخيرة هو أن المخدرات لا تتحرك وفق جغرافيا واحدة.
في يناير 2025، أعلنت وزارة الداخلية تفكيك شبكة تنشط في محيط وداخل الوسط التربوي بمنطقة البحر الأزرق بالمرسى، مع حجز القنب الهندي ووسائل نقل وأموال مرتبطة بالنشاط.

وفي مارس من العام نفسه، كشفت عملية أمنية أخرى شبكة تنشط في عدة أحياء من تونس الكبرى، بينها التضامن وقصر السعيد والعمران الأعلى وحي النصر والمروج 2، وأسفرت عن حجز أكثر من 76 ألف قرص مخدر ومبلغ مالي يناهز 80 ألف دينار.

وفي جوان، أعلنت وزارة الداخلية تفكيك شبكتين تنشطان بين تونس العاصمة وبن عروس، مع حجز 67 صفيحة من القنب الهندي ومبلغ مالي قدره 24.6 ألف دينار.

أما في أفريل 2025، فقد كشفت عملية في ولاية نابل عن حجز 1.2 مليون قرص مخدر قالت السلطات إنها كانت موجهة إلى الأوساط المدرسية والجامعية.

هذه الوقائع تطرح سؤالًا استقصائيًا مهمًا: هل تمتلك تونس اليوم خريطة وطنية متجددة لنقاط توزيع المخدرات ومسالك انتقالها، أم أن كل عملية أمنية تبدأ من معلومة محلية منفصلة؟
الخطر لم يعد أمام المدرسة فقط
المدرسة والمعهد أصبحا إحدى ساحات الاستهداف، لكنهما ليسا بالضرورة مركز الشبكة.
في فبراير 2026، أكد رئيس الجمهورية ضرورة حماية المؤسسات التعليمية من انتشار المخدرات داخلها وفي محيطها، داعيًا إلى دوريات مدرسية متواصلة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي للقضاء على شبكات الترويج.

وهنا تكمن النقطة الأهم: المدرسة قد تكون السوق، لكنها ليست بالضرورة المخزن أو مركز القرار.
الشبكة الأكثر تعقيدًا يمكن أن تمتد من المورّد إلى الوسيط، ثم المروّج المحلي، وصولًا إلى مستهلك صغير السن. وكل حلقة قد تعرف جزءًا فقط من الصورة.
لذلك فإن إيقاف الحلقة الأخيرة لا يعني بالضرورة تفكيك الشبكة.

كيف يمكن «اصطياد» الشبكة لا المروّج فقط؟

الحل الأمني الأكثر فاعلية ليس بالضرورة زيادة عدد المداهمات، وإنما زيادة قيمة المعلومات التي تسبق المداهمة.
وهنا يمكن أن تقوم المقاربة الاستقصائية والأمنية على عدة محاور و تتركز على بناء خريطة ديناميكية للمناطق الساخنة.
ليس فقط تحديد الأحياء التي شهدت إيقافات، وإنما مقارنة القضايا زمنيًا ومكانيًا: المدارس، محطات النقل، المقاهي، المناطق السكنية، أماكن السهر، والطرق التي تتكرر فيها العمليات.
ثم تتبع المال بدل المخدر فقط.
عندما تظهر في قضية مخدرات سيارات، مبالغ مالية، عقارات أو نشاطات تجارية لا تتناسب مع مصادر الدخل المعلنة، تصبح حركة الأموال مؤشرًا قد يقود إلى مستويات أعلى من الشبكة. وهذا مهم خصوصًا بعد أن كشفت السلطات في 2026 عن شبكات جمعت بين ترويج المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز والقتل المأجور.
كما ان الاستثمار في التحقيق الرقمي و تعديل قانون المخدرات أصبح مطروحًا رسميًا بسبب تطور الجريمة المنظمة واعتمادها المتزايد على تكنولوجيات الاتصال الحديثة ، و هذا يعني أن المواجهة المقبلة لن تكون في الشارع فقط، بل أيضًا في الفضاء الرقمي، ضمن الأطر القانونية والقضائية.
و لا يجب ان ننسى حماية المبلّغين والمصادر المحلية ففي كثير من الأحياء، يعرف السكان أكثر مما يظهر في المحاضر الرسمية: حركة غير طبيعية، أماكن تتكرر حولها الشبهات، أو أشخاص يظهرون ويختفون في أوقات محددة. المشكلة ليست دائمًا في غياب المعلومة، بل في خوف صاحبها من تقديمها.
كذلك مراقبة الشبكة بعد الإيقاف، فالسؤال الحاسم بعد سقوط المروّج ليس «ماذا وجدنا بحوزته؟»، وإنما «من كان يتصل به؟ من كان يموّله؟ من كان ينقل البضاعة؟ ومن كان يستلم الأموال؟» على أن يتم ذلك حصريًا عبر وسائل التحقيق القانونية وأذون القضاء حيث تقتضيها الإجراءات…

من «الرافل» إلى الضربة الاستباقية
الحضور الأمني اليومي يمكن أن يردع الجريمة، خصوصًا حول المدارس والأحياء التي تشهد مشاكل متكررة. وقد أعلنت وزارة الداخلية فعلًا عن استمرار الانتشار الأمني حول المؤسسات التربوية طوال السنة الدراسية، وليس في يوم العودة فقط.

لكن الرافل وحده لا يكفي.
لأن الشبكة التي تعرف أن الشرطة ستأتي إلى الشارع تستطيع ببساطة تغيير الشارع.
أما الشبكة التي تخشى أن تصل الأجهزة إلى تمويلها واتصالاتها ومسالك نقلها وشركائها، فهي أمام خطر أكبر بكثير.
وهنا ربما يجب أن تنتقل تونس من سؤال:
«أين سنقوم بالحملة القادمة؟»
إلى سؤال أكثر صعوبة:
«كيف نعرف أين ستتحرك الشبكة قبل أن تتحرك؟»
هذه هي المعركة الحقيقية.
فالمخدرات التي تصل إلى يد تلميذ أو شاب ليست بداية القصة، بل آخر حلقاتها. وإذا أرادت تونس حماية أطفالها وشبابها، فإن النجاح لن يقاس فقط بعدد الموقوفين أو الكيلوغرامات المحجوزة، بل بعدد الشبكات التي جرى تفكيكها من الداخل، وعدد مصادر التمويل التي جرى تجفيفها، وعدد الشباب الذين جرى إنقاذهم قبل أن يتحولوا من مستهلكين إلى أدوات في يد منظومات إجرامية أكثر تنظيمًا.

حين يصبح الإعلان جزءًا من العملية الأمنية
في مكافحة الجريمة المنظمة، لا تكون كل قوة أمنية في عدد الدوريات التي يراها المواطن، بل أحيانًا في التحرك الذي لا يراه أحد. فالإعلان المسبق أو المكثف عن حملات أمنية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدوريات بزي مدني أو بعمليات تستهدف شبكات محددة، قد يمنح المطلوبين فرصة لتغيير أماكنهم وأساليب تحركهم أو تجميد نشاطهم مؤقتًا. لذلك، وبالتوازي مع الحضور الأمني العلني الذي يؤدي وظيفة الردع وطمأنة السكان، تبرز أهمية أن تبقى التحركات الاستعلامية والعمليات النوعية غير معلنة قبل تنفيذها. وهذا لا يعني إخفاء العمل الأمني عن المجتمع، بل التمييز بين ما ينبغي نشره بعد العملية، وما قد يكون من مصلحة الأمن أن يبقى سريًا إلى حين اكتمالها. فوزارة الداخلية نفسها تسند إلى هياكل الأمن الوطني والحرس الوطني مهام الاستعلام والتحقيق، إلى جانب حفظ النظام والشرطة العدلية.

في الحرب على شبكات المخدرات، قد يكون الإعلان عن النتيجة مفيدًا للردع، لكن الإعلان عن طريقة الوصول إليها قد يمنح الشبكة فرصة للتعلم والتكيف.

وفي النهاية، قد لا تكون قوة المواجهة في عدد الدوريات التي يراها المواطن، وإنما في عدد العمليات التي لم يرها أحد قبل أن تصل إلى هدفها.
المواجهة اليومية قد تكون ضرورية، لكن الضربة الحقيقية هي أن تصبح الدولة قادرة على رؤية الشبكة قبل أن تظهر في الشارع ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?