الاعلام والتنمية

الأستاذة شريفة الشيزاوية.. تواضع الكبار وأثر النبلاء

بقلم د .آمنه ال عبدالسلام
هناك شخصيات لا يطويها الزمن، ولا تخفت صورتها في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات؛ لأنها لا تترك خلفها مجرد مواقف عابرة، بل تغرس في النفوس أثرًا عميقًا، وتمنح الذاكرة أسبابًا متجددة للاعتزاز والتقدير. وحين يتجدد اللقاء بها، ندرك أن بعض الأثر لا يبهت، وأن بعض القامات تزداد رسوخًا في الوجدان كلما مرّ الزمن.
ومن بين هذه الشخصيات التي تركت في نفسي أثرًا طيبًا، تأتي الأستاذة شريفة الشيزاوية؛ قامة علمية وقيادية ملهمة، اجتمعت فيها سعة المعرفة، ورجاحة الفكر، وسمو الأخلاق، وتواضع الكبار، وهدوء الواثقين، وكاريزما الحضور التي لا تُصطنع، بل تنبع من أصالة الشخصية وصدقها واتزانها.
إنها من الشخصيات التي لا تحتاج إلى ضجيج لتؤكد حضورها، ولا إلى كلمات منمقة لتصنع مكانتها؛ فثمة هيبة ينسجها العلم، ومحبة تصنعها الأخلاق، ومكانة راسخة يبنيها الإنسان بمواقفه قبل أقواله، وبما يتركه في نفوس الآخرين من أثر طيب لا تمحوه الأيام.
وما يلفت النظر في هذه الشخصية ليس تميزها العلمي والقيادي فحسب، بل ذلك البعد الإنساني الذي يتجلى في قربها من المجتمع، وحرصها على ملامسة هموم الناس، والإنصات إلى احتياجاتهم، واستشعار ما يثقل قلوبهم، والسعي إلى جبر خواطرهم بلطف وحنان. وهنا تتجلى قيمة القيادة الحقيقية؛ حين تتجاوز حدود المسؤولية الرسمية لتصبح رسالة إنسانية، قوامها الاحتواء، وروحها العطاء، وغايتها أن يشعر الإنسان بأنه محل اهتمام وتقدير.
فليس كل من امتلك مكانة استطاع أن يكون قريبًا من الناس، وليس كل من ارتقى في سلم القيادة احتفظ ببساطته وتواضعه. أما النفوس النبيلة، فإنها كلما اتسعت مسؤولياتها، ازدادت إدراكًا لمعنى الإنسان، وكلما علت مكانتها، ازدادت قربًا ممن حولها. وتلك، في تقديري، إحدى أجمل صور النبل الإنساني، حين تجتمع قوة الشخصية مع رقة التعامل، وهيبة الحضور مع عذوبة الروح.
واليوم، حين تجدد لقائي بالأستاذة شريفة الشيزاوية، عاد ذلك الأثر الجميل إلى داخلي وكأنه يُكتب من جديد. استعدت مشاعر التقدير التي تركتها في نفسي منذ سنوات، وأدركت أن بعض الانطباعات الصادقة لا تنتمي إلى لحظة بعينها، بل تتحول مع الزمن إلى قناعة راسخة، تؤكدها المواقف وتجددها اللقاءات.
كان لقاءً أعاد إلى الذاكرة معاني جميلة، وأيقظ في النفس شعورًا بالامتنان لكل شخصية استطاعت أن تجمع بين التميز في عطائها، والرقي في أخلاقها، والتواضع في تعاملها. فكم نحن بحاجة إلى نماذج قيادية تؤكد أن النجاح لا يفقد إنسانيته، وأن المكانة لا ينبغي أن تصنع حواجز بين الإنسان ومجتمعه، بل أن تكون جسرًا يصل من خلاله إلى الناس، ويقترب من تطلعاتهم وآمالهم.
ولعل أجمل ما في الشخصيات الأصيلة أنها لا تتغير بتغير الظروف، ولا تتبدل ملامحها الإنسانية بتعاقب السنوات؛ تبقى كما عرفناها في جوهرها، تحمل ذات الهدوء، وذات التواضع، وذات النبل الذي يجعل لقاءها باعثًا على الارتياح، والحديث معها مساحة من الألفة، واستحضار سيرتها مناسبة لتجديد التقدير.
إن الأثر الحقيقي لا يُقاس بطول اللقاء، ولا بعدد الكلمات التي تُقال فيه، بل بما يبقى في النفس بعد انقضائه. وهناك أشخاص يغادرون المكان، لكن حضورهم يستمر في الوجدان، لأنهم تركوا وراءهم قيمة تستحق أن تُذكر، وسيرة تستحق أن تُقدّر، وإنسانية تستحق أن يُحتفى بها.
الأستاذة شريفة الشيزاوية، نموذج لقامة علمية وقيادية يزداد تقديرها بما تحمله من تواضع، وتسمو مكانتها بما تجسده من أخلاق، ويبقى أثرها حاضرًا بما تمنحه للآخرين من اهتمام واحتواء وإنسانية.
فكل التقدير لهذه القامة التي يجتمع في حضورها وقار العلم، ورحابة القيادة، ونبل الأخلاق. ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به هذا الشعور أن عظمة الإنسان ليست فيما يصل إليه من مكانة فحسب، بل فيما يتركه في القلوب من أثر؛ فالمناصب قد تنتهي، والألقاب قد تتبدل، أما جميل الأثر فيبقى، وأما تواضع الكبار فيظل شاهدًا على نبل النفوس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?