رحل وبقي الأثر

صالح بن سعيد الحمداني
هناك أشخاص نلتقي بهم في رحلة الحياة وآخرون يمضون معنا في تفاصيلها، يشاركوننا البدايات، ويشهدون تحولات العمر، ويصبحون جزءً من ذاكرتنا وأحلامنا، وحين يرحل أحد هؤلاء، نشعر أن الفقد أكبر من غياب شخص عزيز؛ نشعر وكأن صفحة من أعمارنا قد طُويت، وأن فصلًا من حكايتنا قد انتهى قبل أن نتهيأ لوداعه، وهكذا كان رحيل أخي وصديقي ورفيق دربي ناصر البريدعي، الذي جمعتني به رحلة طويلة بدأت ببدايات عام 1986، تقاسمنا خلالها الأفراح والأحزان، وعشنا مواقف كثيرة نسجت بيننا محبة صادقة وأخوّة تجاوزت حدود القرابة، كانت علاقتنا ثمرة سنوات من العشرة، رسّخها الوفاء، وأكدتها المواقف، وحفظتها الأيام.
في صباح يوم الاثنين رنّ الهاتف ولم أكن أعلم أن تلك الرنّة ستحمل إليّ خبرًا يغيّر ملامح يومي، ويترك في القلب وجعًا يصعب وصفه، ما إن وصلني نبأ رحيله حتى انعقد لساني، وثقل الصمت في صدري، وتزاحمت في ذاكرتي سنوات العمر بكل ما حملته من ضحكات ومواقف وذكريات؛ وفي لحظات، وجدتني أستعيد رحلة طويلة جمعتني به، وأواجه حقيقة الفراق التي لم أكن مستعدًا لها، لم يكن وقع الخبر مجرد ألم لفقد صديق عزيز، وإنما كان شعورًا بغياب رفيق عمر ترك في حياتي بعد الله سبحانه وتعالى، فضلًا وأثرًا عميقين لا تنساهما النفس، وعندها أدركت أن الرحيل يأخذ معه أشياء كثيرة اعتدنا وجودها من دون أن نشعر بقيمتها كاملة؛ صوتًا ألفناه، ونصيحة ننتظرها، وموقفًا نستند إليه، وشعورًا بالأمان يمنحنا إياه وجود من نحب بيننا.
على مدى ثلاثة أيام في مجلس العزاء، وقفنا إلى جانب أبنائه وأسرته ومحبيه، نستقبل المعزين ونحاول أن نتماسك أمام فاجعة تعجز الكلمات عن الإحاطة بها، وكانت الحشود التي توافدت من أماكن مختلفة، والوجوه التي حضرت لتقديم العزاء، أبلغ شهادة على سيرة رجل عاش كريمًا، ورحل تاركًا محبة صادقة وذكرًا حسنًا صنعته مواقفه وأعماله، فكان كل معزٍّ يحمل معه حكاية، أو يستعيد موقفًا، أو يذكر زيارة كريمة، أو كلمة طيبة، أو مساعدة قدمها الراحل في وقت الحاجة، ومع توالي تلك الشهادات، بدا مجلس العزاء وكأنه سجل حيّ لسيرته، يستعيد فيه الناس ما عرفوه عنه من وفاء ومروءة وصدق وعطاء، وهناك أدركت، مرة أخرى، أن المعروف الذي يقدمه الإنسان، والزيارة التي تجبر خاطرًا، والكلمة التي ترفع معنويات متعب، تظل حاضرة في القلوب، حتى يأتي يوم تشهد فيه على طيب أصله ونبل سيرته.
ومن أكثر ما يستوقفني في حياة فقيدنا أنه كان يرى في السؤال عن الناس ومواساتهم واجبًا لا يحتمل التأجيل، كان يصل القريب والبعيد، ويواسي الحزين، ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ويتفقد أحوالهم بصدق واهتمام، وحتى في أيام مرضه، حين أثقل عليه الجسد وشقّت عليه الحركة، ظل حريصًا على صلته بالناس، يؤدي ما يستطيع من واجبات المواساة، وكأن الوفاء عنده عهد ثابت، لا تغيّره مشاغل الحياة ولا تحدّ منه ظروف المرض، ولقد علّمنا بسيرته قبل كلماته أن قيمة العلاقات الإنسانية تظهر في صدق الحضور، والإخلاص في المواقف، والحرص على الوقوف إلى جانب من نحب حين تضيق بهم الحياة، فالمحبة الحقيقية تُعرف حين يحتاج الإنسان إلى من يسانده، فيجد من يسأل عنه، ويشاركه همه، ويخفف عنه وطأة الأيام.
أما في مسيرتي الشخصية فقد كان فقيدنا أكثر من أخ وصديق ورفيق درب؛ كان معلمًا وناصحًا وسندًا وعونًا، ورجلًا ترك أثرًا عميقًا في حياة كل من عرفه وعاشره كصديق ورفيق وأخ، جمعتنا رحلة من العمل والواجب وتحمل المسؤولية، وكانت علاقتنا قائمة على المحبة في الله، والإخلاص في العمل، والوفاء لهذا الوطن الغالي الذي جمعنا على خدمة أبنائه وأداء الأمانة، وفي تلك الرحلة رافقنا رجال من المعلمين والأكاديميين وأصحاب الخبرة، أسهموا في توجيهنا، وصقل تجاربنا، وفتح آفاق المعرفة أمامنا، ومع تقديري لكل من كان له أثر في مسيرتنا، فقد احتل فقيدنا مكانة خاصة في نفوسنا، لما عُرف عنه من حكمة في التوجيه، وصدق في النصيحة، وقرب إنساني، وحرص صادق على نجاح الآخرين، كم من خطوة استنرنا فيها برأيه، وكم من موقف وجدناه فيه عونًا بعد الله، وكم من لحظة احتجنا فيها إلى كلمة صادقة فوجدناها عنده.
كان يفرح لنجاح الآخرين كما يفرح لنجاحه، ويبادر إلى مساعدة من يحتاج إلى التوجيه، ويشارك من حوله خبراته وتجربته، إيمانًا منه بأن المعرفة تزداد قيمة حين تُمنح، وأن نجاح الإنسان يكتمل حين يسهم في نجاح غيره، ولهذا فإن رحيله ترك فراغًا في نفسي وفي نفوس كثيرين عرفوه وعملوا معه، فقد غاب رجل كانت له بصمته في حياة من حوله، وبقيت آثاره شاهدة على ما قدمه من خير، ويصدق في سيرته القول المأثور «من خلّف ما مات» فقد رحل الجسد، وظل الأثر حيًّا، وغاب الصوت، وبقيت كلماته ومواقفه تسكن الذاكرة، وترك أبناءً يحملون اسمه، وأسرة كريمة، وذرية طيبة نرجو أن تواصل مسيرته في الخير، وأن تحمل من أخلاقه وخصاله ما يجعل سيرته ممتدة في الأجيال، كما أن كل من تعلم منه، أو تأثر بمواقفه، أو احتفظ له بمحبة صادقة، يحمل جزءً من حكايته ويمنح ذكراه حياة متجددة.
لقد كشفت أيام العزاء والتشييع عن معدن الناس، وأظهرت ما تركه فقيدنا من محبة في النفوس ووفاء في القلوب، رأينا دعوات صادقة، ومواقف نبيلة، وحرصًا على الوقوف إلى جانب أبنائه وأسرته في هذا المصاب، وكانت تلك المشاهد رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن الخير الذي يزرعه المرء في حياته يعود إليه محبةً ووفاءً بعد رحيله، وأن الأثر الطيب قد يكون أصدق ما يتركه الإنسان وراءه، وإلى كل من حضر، أو اتصل، أو أرسل رسالة، أو دعا له بظهر الغيب، أو شارك أسرته بالحزن بكلمة صادقة، نتقدم من أعماق القلب بخالص الشكر والتقدير لقد كنتم، بعد الله، عونًا لهم في هذه الأيام الصعبة، وكان لمواساتكم ووقوفكم إلى جانبهم أثر كبير في تخفيف ألم الفراق، ومن خلالكم لمسنا اتساع دائرة المحبة التي أحاطت بالفقيد، وأدركنا كم من القلوب احتفظت له بمكانة خاصة، وكم من النفوس حزنت لغيابه وفاءً لما عرفته منه، لقد بكت العيون واعتصر القلب ألمًا؛ ففقد إنسان عشت معه عقودًا من الزمن تجربة تهز أعماق الروح، اعتدنا حضوره حتى أصبح جزءً من أيامنا وذاكرتنا، وألفنا صوته ومواقفه ورسائله الصباحية المألوفة لنا والتي تحمل الدعاء والمحبة بين حروفها، ومن أشد وقع اللحظة التي ندرك فيها أن الهاتف لن يحمل إلينا صوته بعد اليوم، وأن لقاءاتنا التي اعتدناها أصبحت ذكريات، وأن الطريق الذي سرنا فيه معًا طويلًا سنواصل السير في بقيته من دونه، ومع هذا الوجع لا نملك إلا التسليم بقضاء الله وقدره، واستحضار قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون». فالحزن لا ينافي الإيمان، والدمع لا ينقص من الصبر، وحرقة الفقد لا تحول دون الثقة برحمة الله وحكمته، نحزن لأننا أحببناه ونشتاق إليه لأن له في قلوبنا مكانة لا يمكن نسيانها، لكن إيماننا بالله يمنحنا السكينة، ويعلّمنا أن ما عند الله خير وأبقى، وأننا نرجو لقاءً في دار الخلود، حيث لا فراق ولا وجع.
وإذ عزينا أبنائه وأسرته ومحبيه، فإننا عزينا أنفسنا كذلك في فقده وإننا نعلم أن الكلمات مهما بلغت من الصدق والوفاء، تعجز عن ملء الفراغ الذي تركه، لكننا نأمل أن يجد أبناؤه وأسرته في محبتنا ووقوفنا إلى جانبهم امتدادًا للمحبة التي جمعتنا به، فالوفاء الذي يستحقه الراحل يتجاوز أيام العزاء، ويمتد إلى السؤال عن أسرته، ومساندة أبنائه، وحفظ الود الذي جمعنا، وصون ذكراه، والإكثار من الدعاء له، تلك هي المعاني التي تمنح المحبة استمرارها، وتجعل العهد باقيًا حتى بعد أن يغيب أصحابه عن أعيننا.
لقد امتدت بيننا حكاية طويلة من الأخوّة والعمل والمحبة، كان حاضرًا في محطات كثيرة، واليوم وقد رحل، ترك وراءه إرثًا من المواقف النبيلة، والذكريات الجميلة، والمحبة التي لا تنطفئ بمرور الأيام، سنذكره في كل موقف يعيد إلينا شيئًا من خصاله، وفي كل نصيحة تستحضر حكمته، وفي كل محطة من الرحلة التي بدأناها معًا، وسيبقى أجمل ما نقدمه له أن نحفظ العهد الذي جمعنا، ونصون الود، ونواصل أداء الواجب الذي تشاركنا فيه، ونبقى أوفياء لهذا الوطن الذي أحببناه وعملنا من أجله، ولعل الوفاء لذكراه يكتمل حين نجعل من سيرته دافعًا لمزيد من الخير والعطاء، ونحمل من أخلاقه ما ينفع الناس ويترك أثرًا طيبًا في حياتهم.
رحمك الله وغفر لك، رحمك الله بقدر ما منحت من محبة، وجبرت من خواطر، ورفعت من معنويات، وتركت من أثر طيب في قلوب من عرفوك وأحبوك، اللهم كما جمعتنا به على المحبة والوفاء في هذه الدنيا، فاجمعنا به في دار كرامتك، واجعل لقاءنا به لقاءً دائمًا في نعيم لا ينقطع، حيث لا فراق بعده ولا حزن، وسلامٌ على روحك الطيبة، وسلامٌ على الأيام التي جمعتنا بك، وسلامٌ على ذكريات ستظل تنبض في القلب ما حيينا، وداعًا يا رفيق العمر… ستبقى غائبًا عن أعيننا، حاضرًا في قلوبنا، حيًّا في ذاكرتنا ومواقفنا، حتى يأذن الله بلقاء لا يعقبه فراق، «إنا لله وإنا إليه راجعون».



