الاعلام والتنمية
أخر الأخبار
الطريقة القادرية البودشيشية في رمضان: إشعاع روحي متجدد ومجالس علمية تعزز الهوية الدينية المغربية
- في مشهد رمضاني مميز يعكس عمق التجربة الروحية المغربية، كشفت الطريقة القادرية البودشيشية عن حصيلة أنشطتها خلال شهر رمضان المبارك، مؤكدة حضورها القوي في المشهد الديني والتربوي، عبر برامج متكاملة جمعت بين الذكر والعلم والسلوك، في إطار يعكس ثوابت المملكة الدينية القائمة على الوسطية والاعتدال. البيان الصادر عن الطريقة، تحت إشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، قدّم صورة شاملة عن حركية روحية وعلمية لافتة، حيث تميز البرنامج الرمضاني لهذا العام بزخم واضح، سواء على مستوى المجالس اليومية أو الفعاليات العلمية أو المبادرات الرقمية، ما يعكس تطوراً في أدوات العمل دون التفريط في الأصول التربوية التي تقوم عليها الطريقة. في صلب هذا النشاط، برزت مجالس الذكر باعتبارها الركيزة الأساسية للتربية الروحية، حيث نظمت الطريقة حلقات يومية لتلاوة القرآن الكريم، إلى جانب مجالس ذكر متنوعة شملت “اللطيف” و“الوظيفة” وأذكاراً مأذونة خاصة، فضلاً عن مجالس دعاء خُصصت لطلب حفظ أمير المؤمنين وصون وحدة البلاد. هذه المجالس لم تكن مجرد طقوس دينية، بل شكلت فضاءات تربوية تُعزز الارتباط الروحي وتُرسّخ قيم الطمأنينة والتزكية، في انسجام مع تقاليد راسخة درجت عليها الطريقة منذ عقود. ويحتل الاعتكاف في هذا السياق مكانة محورية، إذ يشكّل محطة سنوية للتفرغ الروحي، حيث يختلي المريد بنفسه في أجواء تعبّدية تساعده على مراجعة ذاته وتعميق صلته بالله. وقد أكدت الطريقة أن هذا المسار التربوي يظل قائماً على الصحبة والتدرج، بما يعكس فهماً متوازناً للتدين بعيداً عن الغلو أو الانفلات. ومن أبرز محطات هذا الموسم الرمضاني، إطلاق النسخة الأولى من “مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار”، وذلك في سياق الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرناً على ميلاد النبي محمد ﷺ، وهي مناسبة ذات دلالة روحية عميقة في الوجدان الإسلامي. وقد احتضنت العشر الأواخر من رمضان هذه المجالس، التي جاءت تحت شعار يعكس عمق الارتباط بالشمائل المحمدية والصلوات النبوية، بوصفها مدخلاً لترسيخ المعاني وتجديد المباني. تميزت هذه المجالس بتنوع مضامينها العلمية والروحية، حيث استُهلت بقراءة كتاب “الشفا” للقاضي عياض، وهو من أبرز المصنفات التي تناولت سيرة النبي ﷺ ومكانته، وتلا ذلك تنظيم محاضرات علمية سلطت الضوء على أهمية هذا الكتاب في ترسيخ محبة النبي وتعظيمه في النفوس. كما خُصصت جلسات لمدارسة كتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي، الذي يُعد من أشهر كتب الصلوات على النبي، وقد شهدت هذه الجلسات حضور وفد من رابطة جمعيات أهل دلائل الخيرات، في مشهد يعكس تلاحم المدرسة الصوفية المغربية. ولم تقتصر المجالس على ذلك، بل امتدت لتشمل مدارسة “الصلاة المشيشية” وقراءات من التراث المغربي في الصلوات النبوية، خاصة كتاب “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”، ما يعكس غنى هذا التراث وتنوعه. واختُتمت الفعاليات بقراءة لصحيح الإمام البخاري، في تأكيد واضح على مركزية الحديث النبوي في بناء الهوية الدينية المغربية، وعلى التكامل بين التصوف والعلم الشرعي. وفي خطوة تعكس وعياً بمتطلبات العصر، أعلنت الطريقة عن إطلاق منصة رقمية رسمية لتوثيق أعمال “مجالس الأنوار”، وإتاحة مضامينها للعموم، في محاولة لتوسيع دائرة الاستفادة خارج الإطار المكاني التقليدي. كما كشفت عن تطوير منصة أخرى تُمكّن من تلاوة كتاب “دلائل الخيرات” بأربع لغات، هي العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، في مبادرة تهدف إلى تعزيز الحضور الدولي لهذا المتن الروحي، وربط الجاليات المسلمة بتراثها الروحي. هذا التحول الرقمي لا يعكس فقط تحديثاً في الوسائل، بل يؤكد أيضاً قدرة الطريقة على التفاعل مع التحولات العالمية، دون التخلي عن جوهرها الروحي. فالمحتوى الذي كان يُتداول داخل الزوايا أصبح اليوم متاحاً عبر المنصات الرقمية، ما يفتح آفاقاً جديدة لنشر القيم الروحية وتعزيز التواصل مع مختلف الفئات، خاصة الشباب. وعلى مستوى الإشعاع الفني، نظمت المجموعة الرسمية للمديح والسماع التابعة للطريقة جولة “رياض النور” في نسختها الثالثة، والتي شملت عدداً من مدن المملكة، وقدمت من خلالها ليالي روحانية جمعت بين الأداء الفني والرسالة التربوية. وقد استحضرت هذه الجولة تقاليد السماع الصوفي، الذي يُعد وسيلة مكملة لمجالس الذكر، حيث يُسهم في تهيئة القلوب وتعميق التأثر الروحي. وأكدت الطريقة في هذا السياق تمسكها بالتصور التربوي الذي يجعل السماع في مرتبة خادمة للذكر لا بديلاً عنه، انسجاماً مع توجيهات شيوخها، وفي مقدمتهم الراحل سيدي حمزة القادري بودشيش، الذي كان يشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين مختلف مكونات التربية الروحية. هذا التوازن يُعد أحد أسرار استمرارية الطريقة وانتشارها، حيث تجمع بين الالتزام بالشريعة والانفتاح على الأبعاد الجمالية في الدين. وتبرز هذه الأنشطة مجتمعة كدليل على حيوية الطريقة القادرية البودشيشية، وقدرتها على تجديد خطابها دون المساس بثوابتها، حيث تواصل أداء دورها في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح، في سياق إقليمي ودولي يشهد تحديات متزايدة. كما تعكس هذه الدينامية التزام الطريقة بالإسهام في صيانة الهوية الدينية للمغرب، وتعزيز إشعاعها داخلياً وخارجياً. وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، يبقى النموذج المغربي في التدين، الذي تمثله هذه الطريقة، نموذجاً قائماً على التوازن بين الروح والعقل، بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما يجعل من التجربة الصوفية المغربية رافداً مهماً في تعزيز الاستقرار الروحي والاجتماعي. ختاماً، تؤكد حصيلة الأنشطة الرمضانية للطريقة القادرية البودشيشية أن العمل الروحي المنظم، حين يقترن بالعلم والانفتاح، يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة تسهم في بناء الإنسان وتعزيز القيم، بما يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويجعل من رمضان ليس مجرد موسم عبادة، بل محطة لتجديد العهد مع المعاني الكبرى للدين.



