الاعلام والتنمية
أخر الأخبار

من الاحتضان إلى الابتكار… منظومة متكاملة تعيد تشكيل المشهد الريادي في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بإبراء..

اقرأ في هذا المقال
  • في زمنٍ لم تعد فيه الاقتصادات تُقاس بما تملكه من موارد بقدر ما تُقاس بما تنتجه من أفكار، تتبدّل أدوار الجامعات على نحوٍ لافت؛ من مؤسساتٍ ناقلةٍ للمعرفة إلى منصاتٍ مولِّدةٍ لها، ومن فضاءاتٍ تعليمية تقليدية إلى حواضن لصناعة المستقبل. وفي هذا التحول العميق، تبرز جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بإبراء وهي تعيد صياغة موقعها في معادلة التنمية، عبر مبادراتٍ لا تكتفي بالاستجابة للواقع، بل تسعى إلى تشكيله. وفي سياق هذا التوجه، شكّل افتتاح حاضنة ريادة الأعمال "درب" خلال الفترة الماضية خطوة تأسيسية مهمة في دعم بيئة الابتكار داخل الجامعة، إذ وفّرت الحاضنة إطارًا مؤسسيًا يحتضن الأفكار الريادية في مراحلها الأولى، ويعمل على تطويرها عبر التوجيه والدعم، بما يمهّد لتحويلها إلى مشاريع قابلة للنمو والاستدامة. وقد أسهمت هذه الخطوة في تعزيز البنية الريادية داخل فرع الجامعة، وتهيئة بيئة أكثر جاهزية لاحتضان المبادرات الطلابية والخريجين. وتأتي هذه الجهود اليوم لتتجلى بصورة أوضح من خلال الملتقى الريادي الخامس ، لا بوصفه فعالية دورية، بل كعلامة على انتقال نوعي في فلسفة التعليم الجامعي؛ انتقالٍ يجعل من الطالب فاعلًا اقتصاديًا محتملًا، لا مجرد متلقٍ للمعرفة أو باحثٍ عن وظيفة. وفي هذا السياق، تكتسب الأرقام معناها الأعمق؛ إذ إن مشاركة 60 مشروعًا رياديًا—في تصاعدٍ ملحوظ مقارنة بالنسخ السابقة—لا تعكس نموًا عدديًا فحسب، بل تمثل مؤشرًا دالًا على تراكمٍ معرفي وتجريبي داخل البيئة الجامعية، وعلى نضجٍ متدرج في تبنّي الفكر الريادي بوصفه مسارًا واقعيًا وممكنًا. وتتجاوز دلالة هذا التصاعد حدود الحرم الجامعي لتتصل بسياقٍ وطني أوسع، يتقاطع مع توجهات رؤية عُمان 2040 التي تضع الابتكار وريادة الأعمال في صلب أولوياتها، بوصفهما ركيزتين لبناء اقتصاد معرفي متنوع ومستدام. فمن هذا المنظور، يمكن قراءة تزايد المشاريع المشاركة باعتباره انعكاسًا مباشرًا لفاعلية السياسات الداعمة للابتكار، ومؤشرًا على تحوّل ثقافي يتنامى تدريجيًا في وعي الشباب العُماني، حيث تتراجع أنماط التفكير التقليدية لصالح مقاربات أكثر مرونة قائمة على المبادرة والتجريب. ومن زاويةٍ أخرى، يعكس الملتقى تحوّلًا في مفهوم "النجاح" لدى الشباب. فبدلًا من المسار الوظيفي التقليدي، يظهر مسارٌ جديد قوامه المخاطرة المحسوبة، والتجريب، والقدرة على التعلم المستمر. وهذا التحول لا يحدث بمعزل عن البيئة، بل هو نتاج منظومة تشجع المبادرة، وتوفّر مساحات آمنة للتجربة، وهو ما تسعى الجامعة إلى ترسيخه عبر مثل هذه المنصات. كما أن تنوع مجالات المشاريع—من التقنية إلى البيئة والصناعة والخدمات—يشير إلى وعي متزايد بطبيعة التحديات المعاصرة، وضرورة معالجتها من منظور متعدد التخصصات، حيث يتقاطع الابتكار مع احتياجات الواقع، وتلتقي المعرفة بالتطبيق في صياغة حلول أكثر شمولًا وفاعلية. ويحمل هذا الحراك بُعدًا مؤسسيًا أعمق يتجلى في افتتاح مختبر البحث العلمي والابتكار “أفق المعرفة”، الذي يمثل إضافة نوعية للبنية الأكاديمية بالجامعة. فالمختبر لا يُنظر إليه كمجرد مساحة بحثية، بل كبيئة متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الفكرة والتطبيق، وبين البحث العلمي والابتكار، في إطار يهدف إلى تحويل المعرفة إلى مخرجات قابلة للتطوير والتأثير. وبالتوازي مع ذلك، يشهد هذا الحدث تدشين المجلة العلمية المحكمة “أفق المعرفة”، التي تمثل منصة أكاديمية لنشر البحوث والدراسات العلمية في مجالات متعددة، بما يعزز حضور الجامعة في فضاء الإنتاج العلمي، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الباحثين والطلبة للإسهام في المعرفة وفق معايير التحكيم العلمي الرصين. إن التداخل بين حاضنة "درب"، والملتقى الريادي الخامس، ومختبر "أفق المعرفة"، وتدشين المجلة العلمية، لا يُقرأ كجملة فعاليات منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تعكس رؤية مؤسسية متقدمة تقوم على ربط مراحل الابتكار المختلفة ضمن سلسلة واحدة تبدأ من الاحتضان، وتمر بالتطوير، وتنتهي إلى العرض والنشر العلمي. ومن هذا التكامل، يتشكل نموذج جامعي أكثر اتساعًا في فهم دوره؛ حيث لم تعد الجامعة مجرد مساحة تعليمية، بل بيئة إنتاج معرفي وريادي، تُسهم في تحويل الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى قيمة، والقيمة إلى أثرٍ تنموي. وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه المبادرات كفعاليات عابرة في روزنامة الأنشطة الجامعية، بل كمرآة لتحولٍ أعمق في الوعي المؤسسي والمجتمعي؛ تحولٍ يتقاطع مع الطموحات الوطنية، ويعيد تعريف دور الجامعة، ويمنح الشباب موقعًا جديدًا في معادلة التنمية. إذ تبدو هذه المبادرات كملامح مشروع واحد يتشكل بهدوء، مشروع يعيد تعريف وظيفة الجامعة في سياق التحولات الراهنة، ويضعها في موقع الفاعل في صناعة المستقبل، لا مجرد المتفاعل معه.
بواسطة
أماني السيابية
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?