
- في تاريخ كرة القدم المصرية، ثمة أسماء لم تصنع نجوميتها بالموهبة الفطرية فحسب، بل صاغتها من سبائك الصبر، والإصرار، والقدرة على النهوض من عثرات الزمن. ومن بين هذه الأسماء الخالدة، يتجلى كابتن جمال عبد الحميد، نجم المنتخب الوطني والقطبين الكبيرين، كنموذج حي لمسيرة تحدٍّ استثنائية بدأت منذ لحظة الميلاد، ومرت بمنعطفات درامية كادت تنهي مشواره الرياضي مبكراً، قبل أن يسطر بجرأته قصة عودة تاريخية قادته لحمل شارة قيادة الفراعنة في كأس العالم بإيطاليا 1990. في هذا السرد، نستعرض ملامح من رحلة الكفاح والوعي التي خاضها النجم الكبير، والتي لخصها في محطات إنسانية ورياضية فارقة: من رحم المعاناة.. نشأة عنوانها العصامية لم تكن بداية جمال عبد الحميد مفروشة بالورود؛ فقد نشأ وسط عائلة مكافحة تتكون من أب وأم وثلاث بنات وولدين. يتذكر النجم الكبير كيف كان يتقاسم الأرض فراشاً مع أخيه، تاركين السرير الوحيد لشقيقاتهم البنات. في تلك الأجواء، كان والد التحدي الحقيقي هو الأب، الذي كان يعود من وظيفته الأولى في الثالثة عصراً، ليتناول غداءه سريعاً قبل أن ينطلق إلى عمل آخر، باحثاً عن لقمة عيش شريفة تضمن لأبنائه مستقبلاً أفضل. ليلة انكسر فيها الساق وتخلّى الرفاق المنعطف الأقسى في مسيرة الكابتن جمال جاء عبر مستطيل الأهلي الأخضر، إثر إصابة بكسر مضاعف تعرّض لها بعد اصطدام قوي سقط فيه الحارس إكرامي الشحات فوق قدمه. من هول المشهد وقسوة الإصابة، كان الزملاء ينفرون ويبتعدون. وحينما أعلن الطبيب أن رحلة العلاج ستستغرق عاماً كاملاً، اتخذت إدارة الأهلي قراراً صادماً بالاستغناء عن اللاعب والامتناع عن تحمل تكاليف علاجه، بل ونُقل من غرفة الدرجة الأولى بالمستشفى إلى الغرفة الاقتصادية. وهنا تجلت الإنسانية في موقف الحاج تيسير الهواري، عضو النادي الأهلي آنذاك، الذي تكفل بإعادته للدرجة الأولى على نفقته الخاصة استكمالاً لعلاجه. يسترجع عبد الحميد تلك اللحظات بمرارة قائلاً إن الخبر الأول الذي تلقاه عقب إفاقته من تخدير العمليات كان نبأ الاستغناء عنه، حملته إليه ممرضة بحسن نية لمجرد أنها لمحت صورته في الجريدة دون أن تدري ما يخفيه المانشيت من قسوة. كفاح الأم والعودة من بوابات المستحيل ضاقت الدنيا بالنجم المعتزل قسراً، فاضطر لبيع سيارته للإنفاق على أسرته. وعندما شارف على مرحلة الشفاء وكان بحاجة إلى 500 جنيه لإجراء جراحة إزالة الشريحة والمسامير المعدنية، رفض مدير الكرة بالأهلي مساندته إلا بشرط إقامة مباراة اعتزال، يُصرف عائدها بعد عامين! أمام هذا المأزق، لم تجد الأم الغالية بداً من بيع "أساورها" الذهبية لإنقاذ مستقبل ابنها وعلاجه. بدأت رحلة التحدي مع النفس عندما أخبره الطبيب بإمكانية العودة للملاعب شريطة إنقاص وزنه من 100 كيلوغرام إلى 80 كيلوغراماً. تحول النجم إلى مقاتل؛ يجري لساعات طوال فوق الرمال، ويؤدي تدريبات شاقة يومية، حتى أنه كان يتحدى نفسه بملء "فنطاس" الماء يدوياً لزيادة طاقته البدنية، حتى قهر الوزن الزائد. مدرسة الزمالك ورد الجميل بعد الشفاء، طاف عبد الحميد على الأندية، فرفض الإسماعيلي والترسانة التعاقد معه، بينما اعتذر النادي المصري البورسعيدي خشية غضب جماهيره قائلين: "مش هناخد حد الأهلي رماه". لكن القدر كان يخبئ له بوابات ميت عقبة؛ حيث امتلك الكابتن محمود أبو رجيلة جرأة تدريبية فريدة، فاجتمع باللاعب وقال له بوضوح: "أنت لاعب كبير، سأمنحك الفرصة.. إن أثبت جدارتك قيدناك، وإلا فمع السلامة". وفي أول مباراة له بقميص الأبيض، انفجرت موهبة جمال عبد الحميد وسجل أهدافاً هزت الشباك، حتى أن رئيس نادي الزمالك سأل أبو رجيلة مذهولاً: "هل قيدته رسمياً؟" فأجابه بـ "نعم" كذباً جميلاً لحماية الموهبة، قبل أن تحمله الجماهير البيضاء على الأعناق. عاش جمال عبد الحميد يربط ليله بنهاره، محدثاً نفسه بضرورة رد الجميل للقلعة البيضاء وللجماهير التي وثقت به وأعادته للحياة. وتحول هذا الحافز النفسي إلى طاقة إبداع توجت الزمالك بلقب الدوري الممتاز، وبكأس إفريقيا للأندية الأبطال لأول مرة في تاريخ النادي بموسم 1983، لتستمر سيمفونية العطاء حتى ارتدى شارة قيادة المنتخب الوطني في المحفل العالمي الأكبر: مونديال إيطاليا 1990.



