بين الحبر والشاشة

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولًا واسعًا في طريقة الحصول على الأخبار والمعلومات، إذ انتقل جزء كبير من الجمهور من الصحف والمجلات الورقية إلى المنصات الرقمية، نتيجة التطور السريع في تقنيات الاتصال، وانتشار الإنترنت والهواتف الذكية، وتغير أنماط الحياة، وارتفاع وتيرة الأحداث التي تتطلب وصولًا سريعًا للمعلومات، وكانت الصحيفة الورقية سابقًا المصدر الرئيس للأخبار والتحليلات، ينتظر القراء صدورها صباحًا لمتابعة المستجدات المحلية والعالمية، وارتبطت قراءتها بعادات اجتماعية وثقافية راسخة، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع ظهور المواقع الإخبارية الإلكترونية، ثم وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تنقل الأخبار لحظة وقوعها، ويتميز الإعلام الرقمي بسرعة إيصال الخبر وإمكانية تحديثه باستمرار، والوصول إليه في أي وقت ومكان عبر الهاتف أو الحاسوب أو الأجهزة اللوحية، بما يتناسب مع سرعة الحياة وكثرة الانشغالات، كما ساهم انخفاض تكلفة الوصول إلى المحتوى، وتوفير كثير من المنصات خدمات مجانية أو باشتراكات محدودة، وسهولة مشاركة الأخبار، في انتقال الجمهور وانتشار المعلومات بسرعة كبيرة.وأوجد الإعلام الرقمي بيئة تفاعلية تتيح للقارئ التعليق والمشاركة وإبداء الرأي والتواصل المباشر مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، مما عزز شعوره بالمشاركة في صناعة المحتوى، ومع ذلك ما زالت الصحافة الورقية تحتفظ بقيمتها المهنية والثقافية، لما تقدمه من تحقيقات معمقة وتقارير تحليلية وحوارات مطولة، مع اهتمام بالدقة والمراجعة قبل النشر، فضلًا عن العلاقة الوجدانية التي تربط بعض القراء بالنسخة الورقية وتجربة القراءة الهادئة بعيدًا عن التنبيهات والإعلانات، وفي المقابل فرض الإعلام الرقمي تحديات على المؤسسات التقليدية، خصوصًا بسبب انتقال جزء كبير من الإعلانات إلى المنصات الإلكترونية، مما أدى إلى تقليص النسخ المطبوعة وإغلاق بعض الصحف، بينما طورت مؤسسات أخرى مواقع وتطبيقات ذكية للحفاظ على جمهورها وتوسيع نطاقه، وأصبح النجاح مرتبطًا بإنتاج محتوى متنوع يناسب المنصات الرقمية، مع المحافظة على المصداقية والدقة والتحقق، في ظل منافسة آلاف المواقع وصناع المحتوى ومنصات التواصل.كما أدى الانتشار الرقمي إلى سرعة تداول الأخبار غير الدقيقة أحيانًا قبل التحقق منها، مما يؤكد أهمية الصحافة المهنية والوعي الإعلامي لتمييز الأخبار الصحيحة من المضللة، وفي الوقت نفسه استفادت المؤسسات من الفيديو والبث المباشر والرسوم البيانية والوسائط المتعددة، ومن البيانات الرقمية لفهم اهتمامات الجمهور وتحسين النشر وتلبية احتياجاته، ولا يمثل الانتقال من الورقي إلى الرقمي نهاية مرحلة وبداية أخرى إنما يمثل تطورًا طبيعيًا فرضته المتغيرات التقنية والاجتماعية والاقتصادية وقد نجحت المؤسسات التي تكيفت مع الواقع الجديد، بينما واجهت المتأخرة تحديات أثرت في استمرارها.ومن جهتي الشخصية ما زلت أؤمن بأن للقراءة الورقية مكانتها الخاصة؛ فالكتاب بالنسبة لي ليس مجرد وسيلة للمعرفة، وإنما تجربة بطقوسها وهدوئها وذاكرتها؛ صفحات تُقلب باليد، ورائحة تذكّر بعلاقة الإنسان بالحرف، ووقت بعيد عن ضجيج الإشعارات، ولا يعني تمسكي بالكتاب الورقي رفض التطور؛ فالإعلام الرقمي وسّع آفاق المعرفة وجعل المعلومة أقرب إلى الإنسان، وأؤمن بأن الجديد لا يلغي القديم، فلكل وسيلة روحها ووظيفتها، والأجمل أن يتجاور الحبر مع الشاشة؛ فالمعرفة واحدة وإن اختلف الطريق إليها، وتؤكد هجرة الجمهور إلى الإعلام الرقمي أن مستقبل الإعلام يعتمد على الابتكار ومواكبة الجمهور والتكنولوجيا، بينما تبقى المصداقية وجودة المحتوى أساس الثقة. ومن المتوقع استمرار توسع الإعلام الرقم، مع بقاء الصحافة الورقية لشريحة تقدر قيمتها الثقافية والمهنية، لتقوم الوسيلتان على التكامل في خدمة المعرفة والمجتمع.



