الاعلام والتنمية
أخر الأخبار
الابتكار الزراعي واستدامة الأمن الغذائي… تجارب “الفاو” تفتح آفاقاً جديدة للمزارع العُماني..

- في مشهد يتنامى فيه الوعي العالمي بأهمية الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج الزراعي، تواصل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) جهودها الرائدة في دعم الدول لتحقيق توازن مستدام بين الإنتاج والاستهلاك وحماية الموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار، قدّم الدكتور ثائر ياسين، ممثل المنظمة في سلطنة عُمان، عرضًا شاملاً تناول أحدث الاتجاهات في الابتكار الزراعي ومكافحة الآفات وتقنيات التبريد المستدام، إلى جانب مبادرات رقمية عالمية مثل مبادرة 1000 قرية رقمية، التي تهدف إلى بناء قرى ذكية قادرة على الصمود الغذائي والتنمية الريفية المتكاملة. استهل الدكتور ثائر حديثه بتأكيد أن الأمن الغذائي لم يعد تحديًا إنتاجيًا فقط، بل أصبح قضية استراتيجية تمس الاستدامة، والمناخ، والتقنية، والتعاون الإقليمي. وأوضح أن الفاو تسعى إلى تمكين الدول من تبني حلول عملية مبتكرة تجمع بين العلم والخبرة الميدانية، وتضع الإنسان – المزارع والمنتج والمستهلك – في قلب التنمية. وأكد أن الابتكار في هذا المجال لا يقتصر على الآلات أو التكنولوجيا الحديثة، بل يمتد إلى منظومات الإدارة والمعرفة والتدريب، التي تشكّل العمود الفقري لأي نهضة زراعية حقيقية. وتطرّق ممثل الفاو إلى محور بالغ الأهمية بعنوان “الابتكار في الرصد المبكر ومكافحة الآفات”، حيث أوضح أن التحديات التي تواجهها الزراعة العالمية اليوم، من تغيرات مناخية وظهور آفات جديدة وانتشار أمراض نباتية عابرة للحدود، تتطلب حلولاً غير تقليدية قادرة على الاستجابة السريعة والمستندة إلى الذكاء والتحليل العلمي. وهنا يأتي دور التقنيات الحديثة مثل المصائد الذكية وأنظمة الاستشعار عن بُعد، التي تعمل على رصد حركة وانتشار الآفات بدقة وسرعة، مما يمكّن الجهات المختصة من اتخاذ إجراءات وقائية مبكرة تقلل الخسائر الزراعية وتحافظ على الإنتاج. وبيّن الدكتور ثائر أن الفاو تعمل على تطبيق حلول متقدمة في الإدارة المتكاملة للآفات، تجمع بين البحث العلمي والتحليل الميداني والتدريب العملي، بهدف بناء منظومة متكاملة تستند إلى المعرفة والابتكار. وتشمل هذه الحلول إنشاء شبكات وطنية للرصد والتبليغ، وتدريب المزارعين والفنيين على استخدام الأدوات الرقمية في مراقبة المحاصيل وتشخيص الإصابات، فضلاً عن إطلاق حملات تدريبية إقليمية تفاعلية تهدف إلى رفع الوعي وتبادل الخبرات بين الدول العربية. وأشار إلى أن المبادرات الحديثة للفاو تشمل مدارس المزارعين الحقلية، التي تُعد نموذجاً متقدماً في نقل المعرفة الزراعية. إذ توفر هذه المدارس فرصًا عملية للمزارعين لتعلّم أحدث الأساليب في مكافحة الآفات، واستخدام المبيدات بطرق آمنة ومستدامة، وتطبيق الزراعة الذكية في إدارة التربة والمياه. وقد أثبتت هذه المدارس نجاحها في عدد من الدول، وأسهمت في تقليل فاقد الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل. وفي سياق التعاون الإقليمي، أكد الدكتور ثائر أن الفاو تلعب دوراً محورياً في تعزيز تبادل المعرفة وتوحيد البروتوكولات بين الدول العربية، ما أدى إلى بناء شراكات علمية فعالة وتطوير استراتيجيات موحدة لمواجهة تهديدات الآفات العابرة للحدود، مثل الجراد الصحراوي وذبابة الفاكهة وحفار النخيل الأحمر. كما أشار إلى أن توحيد الجهود البحثية والإدارية بين الدول يمثل خطوة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي العربي المشترك. وانتقل ممثل الفاو إلى الحديث عن أحد الحلول المبتكرة في سلسلة الإمداد الغذائي وهو “التبريد السلبي”، موضحاً أنه يمثل نقلة نوعية في تقنيات حفظ الأغذية والمنتجات الزراعية. فبدلاً من الاعتماد المستمر على الطاقة الكهربائية كما في أنظمة التبريد التقليدية، تعتمد هذه التقنية على سوائل خاصة تخزن البرودة وتطلقها تدريجيًا أثناء النقل أو التخزين دون الحاجة لطاقة مستمرة، مما يجعلها حلاً صديقًا للبيئة واقتصاديًا في الوقت ذاته. وأوضح الدكتور ثائر أن تقنية التبريد السلبي تسهم في توفير أكثر من 81% من استهلاك الطاقة مقارنة بالتبريد التقليدي، وتساعد على خفض فاقد الأغذية بنسبة تتجاوز 50% بفضل قدرتها على إطالة فترة صلاحية المنتجات الطازجة. كما تسمح للعاملين في سلاسل التوريد بالعمل لمدة تصل إلى 30 يومًا دون مصدر طاقة خارجي بعد الشحن الأولي. وتقلل التقنية أيضًا فاقد الأوزان في المنتجات بنسبة تزيد عن 60%، مع خفض تكاليف النقل واللوجستيات بنفس النسبة تقريبًا، مع الحفاظ على جودة المنتج وسلامته الغذائية. واعتبرها الدكتور ثائر أحد المفاتيح الفعلية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام، خاصة في الدول ذات المناخ الحار أو التي تواجه تحديات في البنية التحتية للطاقة. وفي محور آخر من العرض، تطرق ممثل الفاو إلى “مبادرة 1000 قرية رقمية”، التي تمثل رؤية طموحة لتحويل الريف العالمي إلى فضاء ذكي ومترابط. وتهدف المبادرة إلى تحويل ألف قرية حول العالم إلى قرى ذكية رقمية من خلال تزويدها بالبنية التحتية الرقمية والتقنيات الحديثة، بما يسهم في تمكين المجتمعات الريفية من مواكبة التحول الرقمي في الزراعة والإنتاج والتسويق. وأوضح أن المبادرة تشمل تدريب المزارعين على استخدام المنصات الرقمية والزراعة الذكية والتسويق الإلكتروني وأنظمة الإنذار المبكر، بما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات زراعية أكثر دقة وفعالية. كما تساهم في رفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة الحياة الريفية من خلال دمج التكنولوجيا في الأنشطة اليومية للمزارعين وربطهم بالأسواق والخدمات الحديثة. وأضاف الدكتور ثائر أن المبادرة تُعد ركيزة لتحقيق الاستدامة، إذ تسهم في ربط القرى الريفية بالأسواق والمعلومات والخدمات الرقمية، مما يقلل الفجوة بين الريف والحضر، ويعزز قدرة المزارعين على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية. وأكد أن هذه التجربة يمكن أن تُطبّق في سلطنة عُمان بما يتناسب مع واقع القرى الزراعية، لدعم الإنتاج المحلي والابتكار الريفي وتحقيق التوازن الاقتصادي. وختم حديثه بتأكيد أن منظمة الفاو هي بيت خبرة عالمي، تمتلك رصيدًا واسعًا من التجارب العملية والنماذج المبتكرة التي أثبتت نجاحها في مختلف دول العالم، مشيرًا إلى أن الفاو لا تكتفي بتقديم المشورة التقنية، بل تعمل على تطوير حلول قابلة للتطبيق محليًا، وتُكيّف استراتيجياتها بحسب أولويات واحتياجات كل دولة، سواء في إدارة الموارد، أو الإنتاج الزراعي، أو مكافحة الآفات، أو تطوير نظم التغذية. وأكد أن التعاون مع الفاو يتيح للدول الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن تبادل المعرفة والخبرة بين الدول الأعضاء هو الأساس في بناء نظم غذائية أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التغيرات المناخية والاقتصادية. كما شدد على أن مستقبل الزراعة لن يكون في التوسع الأفقي وحده، بل في التكامل بين التقنية والعلم والإنسان، وهو ما تعمل الفاو على تحقيقه من خلال برامجها وشراكاتها الدولية. واختتم الدكتور ثائر ياسين كلمته بالتأكيد على أن الابتكار في الزراعة لم يعد خيارًا بل ضرورة، وأن توظيف الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتقنيات الرقمية الحديثة في الزراعة وإدارة الغذاء، سيشكل مستقبل الأمن الغذائي العالمي. وأشار إلى أن سلطنة عُمان، من خلال برامجها الطموحة مثل مختبر الأمن الغذائي 2025 ومبادراتها في الزراعة الذكية، تمثل نموذجًا إقليميًا واعدًا يمكنه أن يستفيد من خبرات الفاو لتحقيق نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد. إن ما قدمه الدكتور ثائر ياسين يعكس رؤية متقدمة لمنظمة الفاو تقوم على الدمج بين العلم، والابتكار، والمجتمع المحلي، في سبيل تحقيق منظومة غذائية أكثر استدامة وعدلاً. ومع تصاعد التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي، تبقى مبادرات كهذه بمثابة خارطة طريق نحو مستقبل يعتمد على المعرفة والذكاء والتكامل الإنساني، حيث يتحول المزارع من منفذ تقليدي إلى شريك فاعل في بناء الأمن الغذائي العالمي، مستفيدًا من أحدث ما أنتجته التقنية لخدمة الأرض والإنسان.



