الرئيس التنفيذي للعوالي العقارية: السوق السعودي يدخل مرحلة النضج والجودة تتصدر أولويات التطوير والاستثمار


سليمان الرميح: مستقبل القطاع العقاري لن يُقاس بحجم المشروعات وحده، بل بقدرتها على تلبية احتياجات السوق وصناعة قيمة مستدامة
كتب: محمد منذر ورد
تشهد السوق العقارية في المملكة العربية السعودية تحولات نوعية تعكس انتقال القطاع من مرحلة التوسع العمراني المتسارع إلى مرحلة أكثر نضجًا وتنافسية، تتصدر فيها جودة المشروعات، وفهم احتياجات العملاء، وكفاءة الاستثمار، معايير النجاح، بالتزامن مع التطورات التنظيمية والاقتصادية التي تشهدها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030.
وأكد سليمان بن رميح الرميح، الرئيس التنفيذي لشركة العوالي العقارية، أن القطاع العقاري السعودي يقف أمام مرحلة استثنائية من التطور، مشيرًا إلى أن الفرص الاستثمارية لم تعد ترتبط بحجم المشروعات أو عدد الوحدات المطروحة بقدر ارتباطها بقدرة المطورين على قراءة تحولات السوق وتقديم منتجات عقارية تلبي تطلعات الأفراد والمستثمرين وتحقق قيمة اقتصادية مستدامة.
وأوضح الرميح أن المؤشرات الحالية تعكس تغيرًا في طبيعة السوق وليس تراجعًا في فرصها، لافتًا إلى أن ارتفاع مستوى الوعي لدى المشترين وتطور البيئة التشريعية واتساع قاعدة المستثمرين عوامل تسهم في إعادة تشكيل المنافسة داخل القطاع.
وقال: «من المهم ألا نقرأ السوق العقاري السعودي من خلال رقم واحد، سواء كان عدد الصفقات أو حركة الأسعار. ما نراه اليوم هو انتقال طبيعي من سوق مدفوع بالتوسع الكبير في الطلب إلى سوق أكثر نضجًا وانتقائية، وأعتقد أن هذه المرحلة ستكون في مصلحة المطور الذي يفهم العميل والموقع والاستخدام، ويستطيع أن يحوّل العقار من منتج تجاري إلى قيمة حقيقية واستثمار طويل الأمد».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه بيانات مؤسسة «نايت فرانك» العالمية، الصادرة في 15 سبتمبر 2026، إلى انخفاض عدد الصفقات السكنية في المملكة خلال الربع الثاني بنسبة 12% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مقابل ارتفاعها بنسبة 9% مقارنة بالربع الأول، فيما استحوذت الأراضي السكنية على 51% من إجمالي عدد الصفقات و52% من قيمتها.
وفي العاصمة الرياض، أظهرت البيانات ارتفاع أسعار الشقق السكنية بنسبة 3.1% على أساس سنوي، بالتزامن مع وصول معدلات إشغال المكاتب إلى 96%، وارتفاع إيجارات المكاتب من الفئة الأولى بنسبة 3.4%، ما يعكس استمرار الطلب على الأصول العقارية ذات الجودة العالية والمواقع الاستراتيجية.
كما أشار تقرير صادر عن شركة «سي بي آر إي» المتخصصة في الخدمات والاستشارات العقارية إلى وصول مؤشر نشاط الإنشاءات في المملكة إلى مستوى قياسي بلغ 56.3 نقطة، فيما تجاوزت قيمة العقود الممنوحة خلال يونيو 29.5 مليار ريال سعودي، في مؤشر على استمرار النشاط الاستثماري والتطويري في القطاع.
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة العوالي العقارية أن هذه التحولات تفرض على المطورين إعادة النظر في استراتيجياتهم، والانتقال من التركيز على زيادة المعروض إلى تطوير مشروعات أكثر توافقًا مع المتغيرات السكانية والاقتصادية وأنماط الحياة الحديثة.
وأضاف: «المنافسة الحقيقية في المرحلة المقبلة ستكون على فهم الاحتياج قبل تطوير المتر المربع. أين يريد الفرد وأسرته أن يقطنوا؟ كيف تتغير طبيعة الاحتياجات؟ ما الذي يجعل مجتمعًا سكنيًا معينًا أكثر قابلية للحياة؟ وما الذي يجعل الأصل التجاري أكثر قدرة على الاحتفاظ بقيمته؟ هذه الأسئلة ستصبح أهم بكثير من سؤال: كم وحدة عقارية نستطيع أن نبني؟».
وفيما يتعلق بتطور البيئة الاستثمارية، أشار الرميح إلى أهمية الإصلاحات التنظيمية المرتبطة بتملك غير السعوديين للعقارات، ودورها في توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز جاذبية السوق السعودية أمام رؤوس الأموال الدولية.
وأوضح أن انفتاح السوق أمام شرائح جديدة من المستثمرين لا يقتصر تأثيره على زيادة الطلب، بل يمتد إلى رفع معايير الحوكمة والشفافية وجودة المشروعات والخدمات العقارية، الأمر الذي يعزز تنافسية الشركات المطورة ويدعم استدامة القطاع على المدى الطويل.
وقال الرميح: «دخول شرائح جديدة من المستثمرين إلى السوق السعودي ليس مجرد إضافة إلى جانب الطلب، بل سيرفع مستوى التنافس على جودة المنتج والحوكمة والشفافية وتجربة العميل. وهذا في رأيي أحد أهم المكاسب طويلة المدى للقطاع، لأنه يدفع السوق بأكمله إلى الأمام».
وأكد أن تنوع الفرص العقارية في المملكة يمثل إحدى أبرز نقاط القوة التي يتمتع بها القطاع، في ظل تعدد المحركات الاقتصادية والعمرانية بين المدن السعودية، مشيرًا إلى أن الرياض تستفيد من نمو النشاط الاقتصادي والطلب المؤسسي، فيما تشهد جدة توسعًا عمرانيًا وسكانيًا، وتبرز في مكة المكرمة والمدينة المنورة فرص مرتبطة بقطاعي الضيافة والسياحة الدينية.
ولفت إلى أن هذا التنوع يمنح المطورين والمستثمرين مساحات أوسع لتطوير منتجات عقارية متخصصة، تتوافق مع الخصائص الاقتصادية والاجتماعية لكل مدينة، وتستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان والأنشطة التجارية.
وأضاف: «الميزة الأكبر للمملكة اليوم أن قصة العقار أصبحت جزءًا من قصة اقتصادية وحضرية أكبر. نحن لا نبني وحدات منفصلة عن محيطها، نحن أمام مدن تتغير، وبنية تحتية تتوسع، وقطاعات جديدة تنمو، وأنماط حياة تتطور. لذلك أرى أن أكبر فرصة للمطور السعودي هي أن يفكر كصانع مدينة وتجربة، لا كبائع مساحة فقط».
وتنسجم هذه الرؤية مع استراتيجية شركة العوالي العقارية في تطوير المشروعات السكنية والتجارية والمجتمعات العمرانية المتكاملة، إذ تشير البيانات المعلنة من الشركة إلى امتلاكها محفظة تضم أكثر من 80 مشروعًا موقّعًا، وما يزيد على 15 ألف منتج عقاري، بقيمة إجمالية تتجاوز 16 مليار ريال سعودي، موزعة على أكثر من سبع مدن داخل المملكة.
وتعكس هذه المحفظة توجه الشركة نحو تنويع استثماراتها العقارية والاستفادة من فرص النمو في المدن السعودية، بالتوازي مع التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع على مستوى التشريعات والتطوير العمراني والطلب الاستثماري.
وشدد الرميح على أن مستقبل القطاع العقاري السعودي سيتحدد بمدى قدرة الشركات على مواكبة هذه التغيرات، من خلال تبني نماذج تطوير أكثر كفاءة، والاهتمام بجودة التصميم والتنفيذ، وتوفير بيئات سكنية وتجارية متكاملة تحقق التوازن بين العائد الاستثماري واحتياجات المجتمع.
واختتم الرئيس التنفيذي لشركة العوالي العقارية تصريحاته بالتأكيد على أن الثقة بمستقبل العقار السعودي تستند إلى التحولات الهيكلية العميقة التي تشهدها السوق، وليس إلى حجم الاستثمارات المعلنة وحده.
وقال: «ثقتي بالقطاع لا تأتي فقط من حجم الاستثمارات المعلنة، بل من عمق التغيير الذي يحدث في أساس السوق. حين تتطور التشريعات، ويرتفع وعي العميل، وتتسع قاعدة المستثمرين، وتصبح الجودة عنصرًا حاسمًا في القرار، فنحن لا نتحدث عن موجة نمو مؤقتة، بل عن صناعة عقارية أكثر تنافسية واستدامة. وهذه هي الفرصة الحقيقية أمام المطور العقاري والمستثمر والمشتري على حد سواء».
وتؤكد هذه الرؤية أن السوق العقارية السعودية تتجه نحو مرحلة تصبح فيها القدرة على الابتكار وفهم الطلب وتطوير مشروعات ذات قيمة مضافة عوامل رئيسية في تحديد موقع الشركات داخل المشهد التنافسي، بما يعزز مساهمة القطاع العقاري في التنمية الاقتصادية والعمرانية المستدامة، ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030.



