الصين في شمال أفريقيا: حين تتحول «القوة الناعمة» إلى نفوذ في الموانئ والسكك والأسواق…

الخبر المتعلق بمشروع ميناء أبو عمامة في السودان يستحق أن يُقرأ خارج حدوده المحلية. فقد أكدت هيئة الموانئ السودانية أن الدراسات قطعت شوطاً متقدماً لإنشاء الميناء بالتعاون مع شركة صينية عالمية، مع توقع قيامه بحلول نهاية 2027. والمفارقة أن المشروع يأتي في بلد لا يزال يعيش آثار الحرب، بما يعني أن القاعدة القائلة إن الصين لا تتحرك إلا بعد انتهاء الأزمات تحتاج إلى بعض التدقيق.
لكن إذا نظرنا إلى المغرب العربي، تظهر صورة أكثر وضوحاً: الصين لا تبني نفوذها عبر القواعد العسكرية أولاً، وإنما عبر الإسمنت والسكك والموانئ والمصانع والاتصالات والتكنولوجيا. وبعد أن يصبح وجودها الاقتصادي عميقاً، يتحول إلى نفوذ سياسي واستراتيجي طويل المدى.
وهنا تكمن أهمية شمال أفريقيا بالنسبة لبكين: منطقة تقع بين أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط والأطلسي، وتجاور طرق الطاقة والتجارة العالمية.
//من «الحزام والطريق» إلى شبكة مصالح متكاملة//
لم تعد العلاقة الصينية مع المغرب العربي مجرد بيع منتجات صينية أو تنفيذ بعض مشاريع البنية التحتية.
الصين أصبحت حاضرة في الطرق والسكك والموانئ والصناعة والطاقة والاتصالات والسيارات والبطاريات. وتشير دراسة للمجلس الشرق أوسطي للشؤون الدولية إلى أن التجارة الصينية مع دول المغرب العربي بلغت نحو 31.5 مليار دولار في 2024، بينما بلغت قيمة الاستثمارات والعقود الصينية في المنطقة بين 2020 و2024 نحو 8.56 مليار دولار، مع استحواذ الجزائر على النصيب الأكبر.
هذه ليست مجرد أرقام تجارية؛ إنها بنية نفوذ.
فالطريق الذي تبنيه شركة صينية يقود إلى ميناء، والميناء يخدم مصنعاً، والمصنع يحتاج إلى شبكة اتصالات وتمويل ونقل، وكل هذه الحلقات يمكن أن ترتبط في النهاية بالسوق الصينية وسلاسل الإمداد الآسيوية.
وهذه هي قوة النموذج الصيني: لا تحتاج بكين إلى امتلاك الدولة لكي يصبح لها وزن داخلها؛ يكفي أن تصبح جزءاً من بنيتها الاقتصادية.
//تونس: الصين تدخل من بوابة البنية التحتية والصناعة//
في تونس، تبدو الصورة أكثر هدوءاً لكنها تتوسع تدريجياً.
ففي يونيو 2026 وقعت الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية عقداً مع شركة CRRC الصينية لاقتناء خمسة قطارات كهربائية متعددة العربات. كما تتولى شركة صينية إنشاء الجسر الجديد ببنزرت، بينما ترتبط شركات صينية بمشاريع أخرى في النقل والبنية التحتية.
وفي القطاع الصناعي، أعلنت Sinoma Cement الصينية استثمار 20 مليون دولار في شركة تونسية بهدف تحديثها، فيما تعمل شركات صينية أخرى على مشاريع في مكونات السيارات. كما وقعت شركة Taikang Electronics اتفاقاً لإنشاء مصنع في تونس، مع وجود مشاريع استثمارية صينية أخرى قيد الدراسة.
والأكثر أهمية استراتيجياً هو المجال التكنولوجي.
فالصين ساهمت في إنشاء مركز عربي-صيني لنظام الملاحة بالأقمار الصناعية BeiDou في تونس، كما تقول السفارة الصينية إن شركة Huawei تشارك في تطوير شبكات الاتصالات والألياف البصرية و5G.
هنا يتغير معنى «القوة الناعمة».
فالقوة الناعمة ليست فقط ثقافة أو منحاً دراسية أو معاهد كونفوشيوس؛ إنها أيضاً أن تصبح التكنولوجيا الصينية جزءاً من البنية التحتية اليومية للدولة.
//المغرب: من الميناء والسيارات إلى بطاريات المستقبل//
في المغرب، أخذ الحضور الصيني شكلاً أكثر ارتباطاً بسلاسل الصناعة العالمية.
فالصين أصبحت شريكاً اقتصادياً مهماً للمغرب، وتقول الحكومة المغربية إن تدفقات الاستثمار الصيني المباشر بلغت نحو 2 مليار درهم في 2025.
لكن التطور الأهم قد يكون في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات.
شركة Gotion High-Tech الصينية تقود مشروع مصنع ضخم للبطاريات في منطقة الرباط-سلا-القنيطرة، وقد وافق البنك الأفريقي للتنمية في يوليو 2026 على قرض بقيمة 100 مليون يورو للمشروع، مع خطط للتوسع مستقبلاً إلى طاقة إنتاجية تصل إلى 100 غيغاواط/ساعة.
هذا المشروع يكشف شيئاً مهماً: الصين لا تريد فقط بيع السيارات للمنطقة، بل تريد أن تكون موجودة في سلسلة القيمة نفسها.
المواد الخام، البطاريات، المكونات، السيارات، الموانئ، ثم التصدير إلى أوروبا.
وهنا يصبح الموقع المغربي بالغ الأهمية: قرب أوروبا، ووجود بنية صناعية قوية، وموانئ مرتبطة بالتجارة الدولية.
//الجزائر: الشراكة الأكثر عمقاً//
أما الجزائر، فالعلاقة الصينية تبدو أكثر رسوخاً، وهي لا تقتصر على مشاريع منفردة.
الصينيون شاركوا في مشاريع ضخمة مثل الطريق السيار شرق-غرب، والجامع الكبير في الجزائر، ومشاريع السكك الحديدية. وفي 2026 دخل خط السكة الحديدية المنجمية الغربية مرحلة التشغيل، وهو مشروع بطول يقارب 950 كيلومتراً يربط مناطق الجنوب بمراكز اقتصادية وصناعية.
وفي الشرق، تشارك شركات صينية في إنجاز خط السكة الحديدية المنجمية الذي يربط مناطق الفوسفات بميناء عنابة، كما يجري العمل على توسعة ميناء الفوسفات بعنابة بالتعاون مع شركة صينية وإنشاء شركة جزائرية-صينية للقيام بأعمال التجريف البحري.
أي أن الصين لا تدخل فقط في بناء المنشأة، بل يمكن أن تصبح جزءاً من السلسلة الاقتصادية التي تتحرك عبرها الموارد الجزائرية.
//هل الصين تعطي أكثر مما تأخذ؟//
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب وسط الاحتفاء بالمشاريع الصينية.
من الخطأ القول إن كل مشروع صيني هو استغلال، كما أنه من الخطأ المقابل تصوير كل مشروع باعتباره «مساعدة» مجانية.
الشركات الصينية تعمل في النهاية وفق مصالح اقتصادية، والدولة الصينية تستخدم أدوات التمويل والتجارة والشركات الحكومية لخدمة أهداف اقتصادية واستراتيجية أوسع.
وقد لاحظ مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن الشركات الصينية المملوكة للدولة يمكن أن تعمل كأدوات للقوة الوطنية الصينية، خصوصاً في تأمين المعادن وبناء الممرات التجارية وربط الاقتصادات الأفريقية بسلاسل الإمداد الصينية.
بل إن دراسة للمركز حول الموانئ الأفريقية تشير إلى أن بعض الشركات الصينية تجمع بين التمويل والبناء والتشغيل وحيازة حصص في الميناء، وهو ما يمنحها تأثيراً يتجاوز مجرد تنفيذ الأشغال.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل الصين تساعد؟»
بل من يملك المشروع؟ من يموله؟ من ينفذه؟ من يشغله؟ أين تذهب الأرباح؟ وما الذي يبقى داخل الاقتصاد المحلي بعد انتهاء المشروع؟.
فإذا كانت الدولة تحصل على بنية تحتية، وتكنولوجيا، وتكوين للعمالة، ونقل للخبرة، وسلاسل إنتاج محلية، فإن المكاسب التنموية تكون أعمق.
أما إذا تحولت الدولة إلى سوق للمنتجات الصينية ومصدر للمواد الأولية وموقع لتنفيذ عقود البناء الصينية، فقد يكون الميزان أقل تكافؤاً مما توحي به أرقام الاستثمارات.
//والميناء هو الحلقة الأكثر حساسية//
الموانئ تحديداً هي المكان الذي يلتقي فيه الاقتصاد بالأمن.
الصين منخرطة في عشرات مشاريع الموانئ الأفريقية، وتقدر دراسة لمركز أفريقيا أن الشركات الصينية تشارك في تطوير نحو 78 ميناء في 32 دولة أفريقية، بينها 11 مشروعاً في شمال أفريقيا.
ليس معنى ذلك أن كل ميناء صيني هو قاعدة عسكرية، وهذه نقطة مهمة.
لكن الميناء التجاري يمنح صاحبه أو مشغله معرفة بحركة السفن والبضائع وسلاسل الإمداد، وقد يمتلك بعض المرافق استخدامات مزدوجة تجارية وأمنية.
والحالة الأكثر وضوحاً هي جيبوتي، حيث تمتلك الصين قاعدة عسكرية معلنة، وتشير دراسة حديثة لـCSIS إلى أن الجيش الصيني طور فيها تجهيزات يمكن أن تعزز قدرات الاتصالات وجمع المعلومات الاستخباراتية الإلكترونية.
وبالتالي فإن الميناء بالنسبة لبكين ليس مجرد مكان لتفريغ الحاويات؛ يمكن أن يكون أيضاً عقدة في شبكة لوجستية ومعلوماتية أوسع.
//موريتانيا: البحر هو القصة الأقل ظهوراً//
في موريتانيا تصبح المسألة أكثر حساسية لأن الأمر يتعلق بالثروة البحرية.
التعاون الصيني-الموريتاني في الصيد قديم، وقد وثقت وزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية اتفاقيات حول مناطق الصيد والحصص والمسح البحري. وفي 2017 أشارت الوزارة الصينية إلى أن موريتانيا كانت تستقبل العدد الأكبر من سفن الصيد الصينية بين الدول الأفريقية، مع ترخيص خمس شركات صينية لنحو 200 سفينة آنذاك.
كما جرى بحث التعاون في الصيد والبنية التحتية البحرية والموانئ بين البلدين في السنوات الأخيرة.
لكن منظمات بحثية غربية انتقدت بشدة آثار بعض عمليات الصيد الصينية في غرب أفريقيا، متحدثة عن الصيد الجائر والضغط على الموارد البحرية ومنافسة الصيادين المحليين. هذه اتهامات تتطلب التفريق بين الشركات والسفن القانونية وغير القانونية، وبين السياسة الصينية الرسمية والممارسات الفردية.
وهنا تظهر معادلة شديدة الأهمية، تجمع بين الميناء و الصيد و المسح البحري و النقل معادلة تنتهي بمعرفة أعمق بالاقتصاد والبيئة والمجال البحري.
وهذه المعرفة في حد ذاتها مورد استراتيجي.
//أما الاستخبارات، فالمشهد أكثر تعقيداً//
من الصعب مهنياً القول إن الصين تقوم بعمليات تجسس في كل دولة شمال أفريقية لمجرد وجود شركات صينية فيها.
لكن من الثابت أن البنية التكنولوجية والبحرية الصينية تحمل إمكانات استخباراتية حقيقية.
فمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية يضع التجسس السيبراني والمراقبة المرتبطة بالصين ضمن أبرز المخاوف الأمنية الرقمية في القارة، بينما أظهرت تقارير صحفية أن بعض البنى الفضائية التي بنتها الصين في أفريقيا تمنحها، بحسب مصادر مطلعة، إمكانية الوصول إلى بيانات وصور فضائية؛ مع تأكيد وجود استخدامات مدنية مشروعة أيضاً وغياب دليل علني يثبت أن كل تلك المنشآت تستخدم لأغراض عسكرية.
وفي سبتمبر 2026، تحدثت Reuters عن اتهامات لمسؤولين أميركيين بأن شركة الشحن الصينية COSCO تستخدم تجهيزات مخفية لجمع معلومات استخباراتية قرب سواحل دول مختلفة. وهذه اتهامات من مسؤولين أميركيين وليست حكماً قضائياً مستقلاً، ولذلك يجب التعامل معها بهذه الصفة.
المسألة إذن ليست بالضرورة «جاسوساً صينياً في كل ميناء»، بل أن البيانات أصبحت جزءاً من القوة: بيانات السفن، الاتصالات، الأقمار الصناعية، الموانئ، شبكات الاتصالات، وحركة التجارة.
//الوجه الآخر للصراع: واشنطن وبكين//
لهذا السبب لا يمكن قراءة التوسع الصيني في شمال أفريقيا اقتصادياً فقط.
الولايات المتحدة والصين تتنافسان على النفوذ والأسواق وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والمعادن والممرات البحرية.
لكن دول المغرب العربي ليست بالضرورة راغبة في اختيار طرف واحد.
المغرب يحتفظ بعلاقة أمنية قوية مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه يجذب الاستثمارات الصينية. والجزائر ذات علاقة استراتيجية وثيقة مع الصين وروسيا، لكنها تسعى أيضاً إلى جذب الاستثمارات الأميركية والغربية. وتونس وموريتانيا تتعاملان بدورهما مع عدة شركاء.
وهذا يفسر لماذا أصبحت المنافسة الصينية-الأميركية فرصة لبعض دول المنطقة: كلما زاد التنافس بين القوى الكبرى، زادت قدرة الدولة الصغيرة على التفاوض مع الطرفين.
لكن الفرصة قد تتحول إلى مشكلة إذا أصبح الاقتصاد الوطني مرتبطاً بصورة مفرطة بقوة واحدة.
//من «القوة الناعمة» إلى القوة المركبة//
الخطأ في قراءة الصين هو اختزال سياستها في «القوة الناعمة».
الصين تستخدم مزيجاً من القوة و الاقتصادية و البنية التحتية و التجارة و التكنولوجيا و التمويل و الموانئ و العلاقات السياسية و الأمن و البيانات.
وهذه ليست قوة ناعمة خالصة ولا قوة عسكرية خالصة، وإنما قوة مركبة.
والأكثر دلالة أن الصين أعلنت في خطة التعاون مع أفريقيا 2025-2027 دعم مشاريع بنية تحتية وربط الموانئ بشبكات السكك والطرق والمناطق الصناعية، وتشجيع الشركات الصينية على بناء وتشغيل الموانئ الأفريقية.
لذلك فإن صورة الصين وهي «تبني جسراً فقط» أصبحت قديمة.
الجسر اليوم يمكن أن يكون جزءاً من ممر تجاري، والممر يقود إلى ميناء، والميناء إلى سوق أوروبية، والسوق تعتمد على مصنع صيني، والمصنع يحتاج إلى معادن أفريقية، وكل ذلك متصل بشبكة تمويل وتكنولوجيا واتصالات صينية.
//الصين لا تدخل شمال أفريقيا لتأخذ مكاناً فقط… بل لتصبح جزءاً من المكان//
قد يكون أكبر مؤشر على تغير المنطقة أن الصين ترى في شمال أفريقيا الآن منطقة قابلة للاستثمار طويل المدى.
وهذا في حد ذاته يحمل جانباً إيجابياً: المستثمر لا يبحث عادة عن الفراغ والانهيار، بل عن سوق قابلة للنمو، وموانئ قابلة للتوسع، وصناعة قابلة للاندماج في سلاسل الإنتاج.
لكن السودان يقدم استثناءً مهماً: بكين أصبحت مستعدة أيضاً للاقتراب من مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار قبل اكتمال الاستقرار الكامل.
أما بالنسبة لدول المغرب العربي، فالمعادلة المستقبلية لن تكون «الصين أم أميركا؟».
السؤال الأهم سيكون:
كيف تستفيد تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا من التنافس الصيني-الأميركي دون أن تتحول إلى مجرد ساحات نفوذ أو أسواق أو مصادر للمواد الأولية؟
فالقوة الحقيقية للدول المغاربية ليست في اختيار بكين على واشنطن، أو واشنطن على بكين، وإنما في القدرة على التفاوض مع الجميع، وتنويع الشركاء، وربط كل استثمار أجنبي بنقل التكنولوجيا والتشغيل والقيمة المضافة والسيادة على البيانات والموارد والموانئ.
عندها فقط يصبح النفوذ الصيني، أو الأميركي أو الأوروبي، أداة في خدمة تعافي المنطقة وتنميتها، لا بديلاً عن قرارها الاقتصادي والسيادي.



