الاعلام والتنمية

المرأة العُمانية… حكاية وطنٍ تصنع المجد وتستشرف المستقبل

بقلم د. آمنه ال عبدالسلام – سلطنة عمان
في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، تحتفي سلطنة عُمان بالمرأة العُمانية، احتفاءً لا يقتصر على استذكار إنجازاتها، بل يمتد ليجسّد التقدير لدورها الأصيل في مسيرة النهضة العُمانية، ويؤكد مكانتها شريكًا فاعلًا في بناء الوطن وصناعة مستقبله. إنه يوم تتجدد فيه معاني الفخر بامرأةٍ استطاعت أن تجمع بين أصالة الجذور وطموح الحاضر، وأن تجعل من العطاء نهجًا، ومن التميز رسالة، ومن الانتماء للوطن قيمة راسخة في وجدانها.
لقد كانت المرأة العُمانية، عبر مختلف مراحل التاريخ، حاضرة في تفاصيل الحياة العُمانية، تؤدي أدوارها بثبات وحكمة، وتسهم في بناء الأسرة وتماسك المجتمع، وتحافظ على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة. ولم تكن يومًا بعيدة عن مسيرة التنمية، بل كانت جزءًا من حكاية عُمان الممتدة، تحمل مسؤولياتها بإخلاص، وتواجه تحدياتها بإرادة، وتؤمن بأن نهضة الأوطان تبدأ من الإنسان، وأن بناء الأجيال هو أحد أعظم الاستثمارات في مستقبل البلاد.
ومع انطلاق النهضة العُمانية الحديثة، اتسعت أمام المرأة آفاق المشاركة والعطاء، وأصبحت فرص التعليم والعمل والتأهيل والقيادة أكثر حضورًا في مسيرتها. فدخلت ميادين المعرفة والإدارة والاقتصاد والطب والهندسة والإعلام والتعليم وغيرها من المجالات، وأثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية وتحقيق الإنجاز، مستندةً إلى ما تمتلكه من كفاءة وعزيمة وإيمان بدورها في خدمة المجتمع والوطن.
ولعل أجمل ما يميز مسيرة المرأة العُمانية أنها لم تجعل من النجاح المهني ابتعادًا عن هويتها، ولم ترَ في التمسك بالأصالة عائقًا أمام التطور؛ بل استطاعت أن تصنع توازنًا بين مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية وطموحاتها العلمية والعملية. فهي الأم التي تغرس القيم، والمعلمة التي تبني العقول، والطبيبة التي تخفف الآلام، والباحثة التي تفتح آفاق المعرفة، ورائدة الأعمال التي تحول الأفكار إلى مشروعات، والقيادية التي تسهم في اتخاذ القرار، والمتطوعة التي تمد يد العون للمجتمع.
إن الحديث عن المرأة العُمانية لا يكتمل بمجرد تعداد المناصب أو استعراض الإنجازات؛ فثمة عطاءات عظيمة لا تظهر في الأرقام، ولا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها تترك أثرًا عميقًا في حياة الناس. هناك أمٌّ تسهر لتصنع من أبنائها جيلًا واعيًا، وامرأة تعمل بصمت لتؤمّن مستقبل أسرتها، وشابة تواصل تعليمها رغم التحديات، وامرأة مسنّة تحفظ ذاكرة المكان وتورّث الأجيال حكاياته وقيمه. هؤلاء جميعًا يشكّلن وجوهًا مشرقة للمرأة العُمانية، ويؤكدن أن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما يحققه لنفسه، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، تبرز أهمية مواصلة تمكين المرأة العُمانية، وتوسيع فرص مشاركتها في مختلف القطاعات، والاستثمار في قدراتها ومواهبها، وتعزيز حضورها في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والبحث العلمي. فالمرحلة المقبلة تتطلب طاقات وطنية قادرة على التفكير والإبداع والتكيف مع المتغيرات، والمرأة العُمانية بما تمتلكه من علم وخبرة وطموح تمثل رافدًا مهمًا لهذه المسيرة.
كما أن الاحتفاء بهذه المناسبة ينبغي ألا يظل محصورًا في الكلمات والفعاليات، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لتجديد الالتزام بتوفير بيئة داعمة للمرأة، تقوم على تكافؤ الفرص، وتقدير الكفاءة، وتذليل التحديات، وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية. فالتمكين الحقيقي لا يتحقق بمجرد فتح الأبواب، بل بضمان قدرة المرأة على العبور منها بثقة، والمشاركة بفاعلية، والوصول إلى الفرص التي تستحقها بجدارتها وعملها.
إن يوم المرأة العُمانية هو أيضًا مناسبة لتوجيه التحية إلى كل امرأة جعلت من عملها رسالة، ومن إخلاصها عنوانًا، ومن نجاحها مصدر إلهام لمن حولها. وهو دعوة للأجيال الشابة من الفتيات إلى الثقة بقدراتهن، والتمسك بالعلم، والسعي نحو التميز، وعدم السماح للتحديات بأن تتحول إلى حواجز أمام أحلامهن. فالمستقبل لا ينتظر من يكتفي بتمنّيه، بل يُصنع بأيدٍ تؤمن به، وعقول تخطط له، وقلوب تنبض بحب الوطن.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نستحضر بكل اعتزاز ما قدمته المرأة العُمانية، وننظر بتفاؤل إلى ما يمكن أن تقدمه في السنوات المقبلة. فمسيرتها ليست حكاية إنجازات تحققت فحسب، بل قصة طموح يتجدد، وإرادة لا تنكسر، ورسالة تتوارثها الأجيال.
فالمرأة العُمانية ليست نصف المجتمع فحسب، بل شريك أساسي في نهضته، وصوت فاعل في حاضره، وقوة ملهمة في صناعة مستقبله. وحين نحتفي بها، فإننا نحتفي بعُمان التي تؤمن بأبنائها وبناتها، وتستمد قوتها من تكاتفهم، وتمضي بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
كل عام والمرأة العُمانية أكثر تألقًا وعطاءً، وكل عام وعُمان تزهو بنسائها اللواتي يكتبن، بعلمهن وإخلاصهن وطموحهن، فصولًا جديدة من المجد الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?