الاعلام والتنمية

الهواءُ…وأمزجة البشر

Abdulrhman0065@hotmail.com
جاء ذكر الهواء في القرآن الكريم بلفظ (الريح أوالرياح) ووردت لفظة (هواء ) في القرآن الكريم مرة واحدة بمعنى خالية أو فارغة (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) وقد جعل الله تعالى الهواء مُلكًا للجميع ، ولو أمكن للإنسان التسلط على الهواء لباعه واشتراه وتقاتل عليه كما فعل في أكثر الأشياء التي سخرها الله له ، وجعلها أمانة في عنقه ، والهواء هو مادة النَّفَس الذي لو انقطع عن الإنسان أو الحيوان لمات، ومعروف أثر الهواء في حركة الفلك وتلقيح النبات وتسيير السحب وتفريقها وتجميعها ، ومعروف أن الهواء خليط غازيٌّ مؤلف من الأوكسجين والنتروجين والأرغون وثاني أكسيد الكربون والهيدروجين وغازات أخرى بنسب في غاية الدقة. وقد ذهبت الدراسات في أثر الهواء إلى أبعد من هذا كأثره على الصحة وعلى بعض أشكال الأعضاء بل على أخلاق الناس وأمزجتهم ومشاعرهم, فوجدت أن الهواء /بالإضافة إلى عوامل أخرى/من العوامل التي تجعل بعض الشعوب يتصرفون بتحفظ، وآخرون بصرامة، أو بغرور، أو بعصبية , أو بخجل ، أو بحذر ، أو بسوقية وسرعة اختلاط ,كما وجدوا أن أمزجة وأخلاق أبناء المناطق الحارة تختلف عما هي في المناطق الباردة والأمر يختلف كذلك بين ابن السهل وابن الجبل فلا عجب أن الهواء في بلاد الشام يبعث التفاؤل والانشراح وراحة النفس إذا كان قادما من جهة الغرب (الهوا الغربي) لعذوبته وانسيابه ورقته وغناه بنسائم البحر العليلة ،وقد درس العلماء بيانات عن تلوث الهواء ومعدلات الجريمة .وأظهرت الدراسات أن معدلات الجريمة ومن بينها القتل والسطو تتناسب طردياً مع ارتفاع مستويات التلوث في الهواء. وللهواء دور حتى في شكل الإنسان وخَلقه فبالإضافة إلى العوامل الوراثية تجد أبناء المناطق الحارة مناخيرهم واسعة ومفتوحة والعكس تماما لدى أبناء المناطق الباردة كما تجد الأنوف الطويلة والرفيعة تنمو أكثر في المناطق الباردة والمناطق الأكثر جفافًا، في حين أن الأنوف القصيرة والعريضة تظهر في كثير من الأحيان في المناطق الحارة والأكثر رطوبة. إن فكرة أثر الهواء على الصحة والمزاج وإن كانت قد أُثبتت علميًّا وماديًّا في العصر الحديث ورغم جهل البشر قديمًا بوجود البكتيريا وتأثير التلوث؛ إلا أن الفكرة ذاتها كانت موجودة لدى الأمم القديمة، فقوافل العرب مثلا كانت تفضل مناطق ومواقع وتضاريس معينة لهوائها للمبيت فيها أو نصب خيامهم فوقها.وكذلك نجد الفكرة لدى الرومان الذين كانوا يعمدون – حين يقررون بناء مدينة جديدة – إلى ترك المواشي ترعى في المكان لفترة قبل أن يذبحوها لفحص أكبادها وأمعائها وملاحظة مدى تأثرها ببيئة المنطقة.. والفكرة ذاتها نجدها لدى الصينيين والهنود .وكان الفراعنة يبنون الأهرامات والأضرحة بحيث تتعامد مع اتجاهات الأرض الأربعة وتمنع المواد العضوية من التعفن بداخلها .وقد تطرق ابن خلدون في مقدمته الشهيرة لهذه المسألة فجاء في ص 86 من الطبعة الخامسة لمقدمته الصادرة عن دار القلم ببيروت عام 1984م ( و تقرر أن الحرارة مفشيةٌ للهواء و البخار مخلخلةٌ له زائدةٌ في كميته ولهذا يجد المنتشي من الفرح و السرور مالا يعبَّر عنه وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها سَوْرة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح و تجيء طبيعة الفرح و كذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها و اتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهم فرح و ربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. و لما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار و استولى الحر على أمزجتهم و في أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم و إقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشياً فتكون أسرع فرحاً و سروراً و أكثر انبساطاً و يجيء الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح و الخفة موجودة أكثر من بلاد التلول و الجبال الباردة …و لما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن و كيف أفرطوا في نظر العواقب حتى أن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة و يباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئاً من مدخره وتتبع ذلك في الأقاليم و البلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء )
وجاء في كتاب المواعظ والاعتبار لأحمد بن علي المقريزي: ( ويلاحظ على أهل البشمور بمصر( الدلتا ) أن طباعهم أغلظ والبله عليهم أغلب وذلك لطبيعة أرضهم وغلاظة طعامهم، أما الاسكندرية فقربها من البحر واعتدال الحرارة والبرودة يصلح أمرهم ويرقق طباعهم ويرفع ذكاءهم)
كما جاء في كتاب البلدان لأحمد ابن إسحاق اليعقوبي عن محاسن بغداد: (وباعتدال الهواء وطيب التراب وعذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها ونضرت وجوههم وتفتقت أذهانهم حتى فضلوا الناس في العلم والأدب وظهر فيهم أرباب اللغة والدين والحديث واستقر فيها العلماء والتابعون والمحدثون) فما أن وصلنا بالحديث إلى بغداد وهواء بغداد العليل لابد من الوقوف عند حدثين هامين كان لهواء بغداد أثر في اتخاذ القرار من جهة وفي تعديل المزاج من جهة أخرى فها هو الرازي عندما استشاره الخليفة المعتضد بالله في موقع بناء بيمارستان جديد ( مستشفى) فأمر الرازي أن تُعلّق في كل ناحية من بغداد قطعة لحم طازجة.. وبعد أيام عاد للكشف على قطع اللحم فأشار على الخليفة أن يبنى المستشفى الجديد في الموضع الذي قلَّ فيه تعفن اللحم. وأما الشاعر علي بن الجهم عندما استنشق هواء بغداد/بالإضافة إلى عوامل أخرى/ كيف تغير مزاجه الشعري وتغير حتى خياله ومشاعره في تلك القصة المشهورة التي تروى إن الشاعر كان بدوياً صحراوياً، وعندما قدم إلى بغداد لأول مرة آثر أن يبدأ عهده بمدح خليفتها المتوكل على عادة الشعراء فأنشده قصيدة منها: فيها
أنت كالكلب في حفاظـك للـود و كالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـواً من كبار الدِّلا كثيـر الذنـوب
فعرف المتوكل ، حسن مقصده وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به، لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد:
عيون المها بين الرصافـة والجسـر **جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره ** أعرفنـي بالحلـو منـه وبالـمـرَّ
كفى بالهوى شغلاً وبالشيـب زاجـراً ** لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر
فقال المتوكل : أوقفوه ، فأنا أخشى أن يذوب رقة و لطافة. وما هواء دمشق المخضل بعبق ياسمينها إلا أنفاسا لأمزجة أهلها وأخلاقهم ومدادا لأحاسيس الشعراء وأذواقهم ففيما مضى “أبو البقاء عبد الله البدري”، عالم من القرن التاسع الهجري، ذكر في كتابه “نزهة الأنام في محاسن الشام”، (…والأزهار المتنوعة ليحمل منها النسيم العابر طيب الريح، ويسري به إلى أماكن أخرى من المدينة.).ومن بعدُ شوقي ودرويش ونزار وغيرهم إلى آخر نسمة هواء تعانق الشذى ولعل من الجميل أن نختم بما قاله البحتري عن هواء دمشق وحسنها الأخاذ:
أمَّا دمشقُ فقد أبدتْ محاسنَها وقد وفَّى لك مطريها بما وعدا
إذا أردتَ ملأتَ العينَ من بلدٍ مستحسنٍ وزمانٍ يشبه البلدا
يمسي السحابُ على أجبالها فرقًا ويصبح النبتُ في صحرائها بَددا
فلستَ تبصرُ إلا واكفًا خضِلًا أو يانعًا خضرًا أو طائرًا غردا
كأنما القيظُ ولّى بعد جِيئتهِ أو الربيعُ دَنا من بعد ما بَعدا
غازي عبدالرحمن الحجَّو

بواسطة
غازي عبد الرحمن الحجَّو/عضو اتحاد الكتاب العرب/دمشق
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?