تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

لا حرب ولا سلام… المنطقة تدخل مرحلة “التصعيد المُدار” بين إيران وأمريكا بعد مفاوضات باكستان

اقرأ في هذا المقال
  • في أعقاب فشل جولة المفاوضات التي عُقدت في إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، تدخل المنطقة مرحلة دقيقة يمكن وصفها بـ“التصعيد المُدار”، حيث لا حرب شاملة تلوح في الأفق، ولا سلام حقيقي يقترب، بل حالة وسطية معقدة تحمل في طياتها احتمالات متعددة. المعطيات السياسية والعسكرية تشير بوضوح إلى أن فشل المفاوضات لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتباعد المواقف بين الطرفين، خاصة في الملفات الجوهرية مثل العقوبات الاقتصادية، والبرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة في مضيق هرمز. هذه القضايا لم تعد مجرد نقاط تفاوض، بل تحولت إلى خطوط حمراء يصعب تجاوزها دون ثمن سياسي واستراتيجي كبير. الولايات المتحدة، التي تسعى إلى احتواء النفوذ الإيراني دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، تبدو حريصة على إبقاء الضغط ضمن سقف محسوب. فهي تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، ليس فقط في الخليج، بل على مستوى التوازنات الدولية الأوسع. وفي المقابل، تتعامل إيران مع التصعيد باعتباره أداة تفاوض بحد ذاته، تستخدمه لتحسين شروطها، دون الوصول إلى نقطة الانفجار. هذا التوازن الهش أنتج ما يمكن تسميته بـ“التصعيد المُدار”، وهو نمط من الصراع يقوم على توجيه رسائل عسكرية وسياسية متبادلة، دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى حرب شاملة. وقد يتجلى ذلك في عمليات محدودة، أو تحركات بحرية حساسة، أو حتى تصعيد إعلامي مدروس، يهدف إلى الضغط دون إشعال المواجهة. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم نقاط التوتر المحتملة، نظرًا لأهميته الاستراتيجية في إمدادات الطاقة العالمية. أي تهديد لهذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية فورية، من ارتفاع أسعار النفط إلى اضطراب الأسواق العالمية، وهو ما يجعل جميع الأطراف حذرة في التعامل معه، رغم استخدامه كورقة ضغط. ورغم أجواء التوتر، فإن باب المفاوضات لم يُغلق بالكامل. بل على العكس، تشير التجارب السابقة إلى أن مثل هذه الأزمات غالبًا ما تمر بمراحل من التصعيد قبل العودة إلى طاولة الحوار، ولكن بشروط جديدة ومعادلات مختلفة. وهذا يعني أن ما نشهده اليوم قد يكون مجرد مرحلة انتقالية تسبق جولة تفاوضية جديدة، قد تكون أكثر واقعية أو أكثر تعقيدًا. المشهد الحالي يعكس أيضًا تحولًا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد الحروب تُخاض دائمًا بشكل مباشر، بل باتت تُدار عبر أدوات متعددة، من العقوبات الاقتصادية إلى الحروب غير التقليدية، مرورًا بالتحركات الجيوسياسية المدروسة. وفي هذا الإطار، تبدو الأزمة بين إيران والولايات المتحدة نموذجًا واضحًا لهذا التحول. في المحصلة، يمكن القول إن المنطقة دخلت مرحلة “لا حرب ولا سلام”، وهي مرحلة قد تطول، وتُبقي الجميع في حالة ترقب دائم. فالتصعيد سيستمر، لكن ضمن حدود، والمفاوضات ستعود، لكن دون ضمانات. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة رهينة توازنات دقيقة، قد تتغير في أي لحظة. إن ما بعد مفاوضات باكستان ليس نهاية الأزمة، بل بداية فصل جديد منها، عنوانه إدارة الصراع بدل حسمه، وتأجيل الانفجار بدل منعه. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن لهذا التوازن الهش أن يصمد؟
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?