الاعلام والتنمية

بين جهد الأوفياء وجشع المنتفعين.. لمن تذهب أموال الفقراء؟

تُشكّل الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني منبعاً أصيلاً للعمل الإنساني والتكافل الاجتماعي في الوطن؛ فهي حلقة الوصل المباشرة مع نبض الشارع، واليد الحانية التي تمتد لتصل إلى الفئات الأكثر احتياجاً، ملبيةً تطلعاتهم ومخففةً عن كاهلهم أعباء الحياة المادية والاجتماعية.ومنهم نماذج مشرفة لجمعيات والقائمين عليها جعلوا من تقوى الله بوصلتهم، ومن خدمة الإنسانية غايتهم الأسمى. هؤلاء المخلصون يعملون ليل نهار بصمت وتجرد، حريصين على أن يصل كل قرش من التبرعات إلى مستحقيه الفعليين دون رياء أو مباهاة. إن هؤلاء الصادقين في عملهم يستحقون منا كل تحية وإجلال؛ فهم لا يكتفون بتقديم المساعدات العينية المؤقتة، بل يسعون إلى تمكين الأسر وحمايتها من العوز مبتغين في ذلك وجه الله. وتحيةً لهؤلاء الأوفياء، نقول: “بوركت جهودكم، وصبركم في الميدان هو جهادٌ حقيقي يثمر استقراراً وأماناً في بيوت البسطاء”.ولكن، وعلى الجانب الآخر من هذا المشهد النبيل، تظهر فئة انحرفت عن هذا المسار، فاتخذت من العمل الأهلي واجهة براقة لتحقيق مآرب شخصية ومكاسب مالية غير مشروعة. هؤلاء استغلوا عواطف المتبرعين ورغبتهم في فعل الخير، وحوّلوا آلام البسطاء وحاجتهم إلى تجارة منظمة ترتكز على أأساليب ملتوية؛ ولعل أخطرها هو التعمد الصارخ في جمع بطاقات تحقيق الشخصية الوهمية أو استغلال وثائق الحالات المستحقة للمتاجرة بها واستخدامها كغطاء قانوني لجمع تبرعات ضخمة لا يرى منها أصحاب الحاجة الحقيقيون شيئاً.إن هذا الانحراف يمتد ليعصف بأسس العدالة الاجتماعية والتكافلية، حيث باتت قيمة التبرعات والمساعدات المالية والعينية والمنح التي تتلقاها بعض هذه الجمعيات غير معلنة ومحجوبة عن الشفافية، مما يفتح الباب واسعاً أمام التلاعب. وتتجلى هذه الممارسات المؤسفة في اعتماد مبدأ “المفاضلة والمحسوبية” في اختيار المستفيدين، بعيداً عن معايير الاستحقاق الفعلية والأمانة الإنسانية. ومن المؤلم أن نرى مشروعات التنمية الأساسية الكبرى، مثل تركيب عدادات المياه وبناء وترميم منازل الفقراء، تذهب وتُوجّه مباشرة إلى من يملك القدرة على الدفع أو من لديه الوساطة، بعيداً تماماً عن الأسر العفيفة المستحقة التي لا تملك قوتاً ولا ظهيراً.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى ما نشهده على شاشات بعض القنوات الفضائية ومنصات التواصل، من ظاهرة مؤسفة تتمثل في جلب الحالات المرضية وعرض أدق تفاصيل فقرهم وأنّات أوجاعهم أمام الكاميرات. إنها عملية “اتجار علني” بكرامة الإنسان، حيث تُستغل الدموع لجني نسب المشاهدة واستجداء الأموال، لتدخل النسبة الأكبر منها في جيوب المنتفعين تحت مسميات “مصاريف إدارية” مبالغ فيها، أو رواتب ومكافآت لا تمت للزهد والعمل التطوعي بصلة. إن تحويل العمل الأهلي إلى تجارة رابحة والمفاضلة في معونة الفقراء هو هدم لجسور الثقة بين أفراد المجتمع، وإهدار لأموال كان يمكن أن تغير حياة عائلات بأكملها.ولم تكن هذه الصرخات والتحذيرات بمعزل عن عين الدولة وأجهزتها الرقابية؛ إذ تجسد الحزم اليقظ مؤخراً في القرار التاريخي الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية رقم (258) لعام 2025 والموضح في الوثيقة المرفقة والذي يقضى بإلغاء ترخيص مزاولة نشاط التمويل متناهي الصغر لعدد ضخم بلغ (258) جمعية ومؤسسة أهلية دفعة واحدة. هذا القرار الحاسم لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل هو إعلان صريح بأن المتاجرة بآلام الفقراء واستغلال مظلة العمل الأهلي كغطاء مالي للتربح الشخصي قد انتهى عهده، وأن يد القانون باتت بالمرصاد لكل من يحيد عن النزاهة وأمانة الرسالة.ومن هنا، وجب الحزم الذي لا يلين والضرب بيد من حديد من قِبل الجهات الرقابية المختصة ووزارة التضامن الاجتماعي لتكون درعاً حامياً لأموال التبرعات والمنح، وعيناً ساهرة تتابع أوجه الصرف ومصداقية الكشوف. إن أموال العمل الأهلي خُصِّصت لحق المستحقين، وليست “منّة” أو “جميلاً” يصنعه أحد؛ فكرامة البسطاء خط أحمر، وحرمة هذه الأموال مطلقة، وكل من يستغل وجع الناس أو يتاجر ببطاقاتهم ليتربح، ستطاله يد القانون والرقابة الصارمة بلا هوادة، ليبقى العمل الإنساني خالصاً لوجه الله ولخدمة الوطن.

بواسطة
عبد العزيز أبو رحاب
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?