الاعلام والتنمية

حين يبحث الأبناء عن الاهتمام خارج البيت

سلطان الفارسي – سلطنة عُمان

قد يظن بعض الآباء أن خلافاتهم تبقى بينهم، وأن الأبناء لا يفهمون ما يدور حولهم. لكن الحقيقة أن الأبناء يسمعون، ويراقبون، ويشعرون بكل كلمة قاسية وكل باب يُغلق بعنف، حتى وإن لم يتحدثوا عمّا بداخلهم.

حين يتحول البيت إلى مكانٍ يكثر فيه الصراخ والخصام والعتاب، قد يفقد الأبناء شيئًا من شعورهم بالأمان. وقد يبحثون عمّا ينقصهم خارج المنزل: كلمة طيبة، أو شخص يسمعهم، أو اهتمام يشعرهم بأنهم مهمون. وهنا تكمن خطورة المشكلة؛ فالحاجة إلى الاحتواء قد تجعل بعضهم أكثر قابلية للتعلّق بمن يُظهر لهم الاهتمام، حتى وإن لم تكن نواياه صادقة.

وقد تكون الفتيات أكثر عرضة للاستغلال حين يصادفْن رجالًا يستغلون حاجتهن إلى الحنان، فيغوونهن بالكلام المعسول والوعود الكاذبة، متظاهرين بالاهتمام وهم لا يخافون الله في مشاعرهن ولا يراعون عواقب أفعالهم. وقد تبدأ الحكاية برسالة لطيفة أو سؤال متكرر، ثم تتحول إلى علاقة مؤذية تترك في نفس الفتاة خوفًا وندمًا وألمًا. والمسؤولية تقع على من يخدع ويستغل، لا على من كانت تبحث عن كلمة طيبة أو أذنٍ تصغي إليها.

ليس كل ابن يبتعد عن أهله عاقًّا، ولا كل بنت صامتة تعيش بسلام. فبعضهم يخفي وجعه خلف الضحك، وبعضهم يطيل الجلوس خارج البيت لأنه لا يجد فيه راحته، وبعضهم يكتفي بالهاتف بحثًا عمّن يصغي إليه. وقد لا يدرك الأهل أن خلافاتهم المتكررة لا تؤثر في علاقتهم ببعضهم فقط، بل تترك أثرًا عميقًا في قلوب أبنائهم ونظرتهم إلى الحياة.

الأبناء لا يحتاجون إلى بيتٍ خالٍ من الاختلاف، فهذا أمر يصعب تحققه، لكنهم يحتاجون أن يروا الاحترام حاضرًا حتى وقت الخلاف، وأن يشعروا بأنهم ليسوا طرفًا في نزاعٍ لا ذنب لهم فيه. يحتاجون إلى أبٍ وأمٍّ يسألان عن مشاعرهم، ويمنحانهم وقتًا صادقًا، ويجعلان البيت مساحة أمان لا ساحة خوف. وإذا أخطأ أحد الأبناء أو وقع ضحية خداع، فالتوبيخ والفضيحة قد يدفعانه إلى مزيد من الصمت؛ أما الاستماع والاحتواء، فيساعدانه على طلب العون والخروج من الأذى.

فلننتبه إلى أبنائنا قبل أن يبحثوا عن الاهتمام في المكان الخطأ. كلمة حنونة، وجلسة قريبة، وسؤال صادق مثل: «كيف حالك؟» قد تفتح بابًا أغلقه الصمت طويلًا. فالبيت الذي يجد فيه الأبناء الحب والطمأنينة، يكون لهم سندًا وحماية، ويمنحهم الشجاعة ليحكوا ما يمرون به قبل أن يستغل أحد حاجتهم إلى الاهتمام.

sultan.alfarsi.sms@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?