صلالة.. حين تهبط الغيوم إلى الأرض وتروي الطبيعة حكاية الجنوب العُماني
هناك مدن تزورها، تلتقط فيها بعض الصور، ثم تغادرها. وهناك مدن أخرى لا تسمح لك بالرحيل منها كما أتيت؛ تترك في ذاكرتك رائحة، وصوتًا، ولونًا، وحنينًا يصعب تفسيره. وصلالة واحدة من تلك المدن.حين تقترب الطائرة من مطار صلالة، يبدأ المشهد في الأسفل بالتغير. لا تبدو الأرض كما يتوقعها القادم إلى جنوب شبه الجزيرة العربية؛ جبال تلامسها الغيوم، ومساحات خضراء تمتد تحت الضباب، وأشجار النارجيل تتمايل بهدوء، فيما ينساب الرذاذ الخفيف فوق الطرق والسهول، وكأن الطبيعة قررت أن تخفي هنا سرًا لا يشبه أي مكان آخر.مرحبًا بك في صلالة… حاضرة محافظة ظفار وجوهرة الجنوب العُماني.تقع المدينة على الساحل الجنوبي لسلطنة عُمان، لكنها في موسم الخريف تبدو وكأنها قطعة من عالم آخر. فمن يونيو إلى سبتمبر تقريبًا، تصل الرياح الموسمية إلى جبال ظفار، فتحمل معها الضباب والرذاذ، وتتحول الأرض تدريجيًا من لونها المعتاد إلى بساط أخضر واسع.هنا، لا يحتاج الزائر إلى البحث طويلًا عن الجمال. يكفي أن يقود سيارته خارج المدينة قليلًا، ليجد الجبال وقد اختفت قممها خلف الغيوم، والأبقار والإبل ترعى وسط المروج، والمياه تنحدر بين الصخور، والعائلات تجلس تحت الأشجار تستمتع بطقس قد يبدو أقرب إلى الخيال في ذروة الصيف الخليجي.لكن صلالة ليست مجرد خضرة موسمية.في طرقاتها القديمة وأسواقها وروائحها، تعيش قصة تمتد لآلاف السنين. إنها أرض اللبان، ذلك الكنز العطري الذي حمل اسم ظفار إلى حضارات العالم القديم، وعبرت قوافله الصحارى والبحار نحو مصر وروما والهند وغيرها من بقاع العالم.وفي سوق الحافة، ما تزال رائحة اللبان تستقبل الزائر قبل أن يرى المتاجر. تتصاعد أبخرته من المباخر، وتختلط بروائح العطور والبخور، فيما يعرض التجار أنواعًا مختلفة من اللبان الظفاري الذي لم يكن يومًا مجرد سلعة، بل جزءًا من هوية المكان وذاكرته.وعندما تواصل السير بين أحياء المدينة، يظهر وجه آخر لصلالة. أشجار النارجيل الاستوائية ترتفع بمحاذاة الطرق والمزارع، وثمار جوز الهند الطازجة تُباع للزوار، إلى جانب الموز والبابايا وغيرها من الفواكه التي تنمو في هذه البيئة الفريدة.قد تقف عند أحد الأكشاك، يفتح البائع أمامك ثمرة نارجيل طازجة، ويقدمها إليك مباشرة. لحظة بسيطة، لكنها تختصر شيئًا من روح صلالة؛ طبيعة قريبة، وهدوء، وبساطة، وكرم يميز أهل المكان.وفي المساء، تتغير المدينة من جديد.تمتلئ الطرق بالزوار القادمين من مختلف محافظات سلطنة عُمان ودول الخليج والعالم، وتزدحم المطاعم والمقاهي والأسواق، بينما تظل الجبال في الخلفية مغطاة بالضباب، وكأنها تراقب حركة المدينة بصمت.من الحافة إلى البليد، ومن الدهاريز إلى السعادة، ومن صلالة الشرقية والغربية إلى العوقد والقوف والقرض والحصيلة والحصن، تمتد مدينة تنمو عامًا بعد عام، محافظةً في الوقت ذاته على شخصيتها الخاصة التي تجمع بين الحداثة والإرث والتنوع الطبيعي.وعلى شاطئ المغسيل، تقف الجبال شامخة أمام بحر العرب، وتصطدم الأمواج بالصخور بقوة، فيما تتناثر قطرات المياه في الهواء. أما في وادي دربات، فالمشهد مختلف تمامًا؛ مياه وخضرة وجبال وضباب، ولوحة طبيعية تجعل الزائر يتساءل للحظة: هل ما زلت حقًا في شبه الجزيرة العربية؟وهذا ربما هو سر صلالة الحقيقي.إنها مدينة المفاجأة.تأتي إليها وأنت تحمل صورة مسبقة عن الخليج، فتقدم لك الجبال الخضراء. تتوقع حرارة الصيف، فتستقبلك بالرذاذ والضباب. تبحث عن وجهة سياحية، فتجد تاريخًا يمتد آلاف السنين. تدخل سوقًا لشراء هدية، فتخرج حاملًا رائحة اللبان وشيئًا من ذاكرة ظفار.صلالة ليست مدينة تُختصر في موسم واحد، رغم أن خريفها هو أشهر فصول حكايتها. ففي الشتاء، تتمتع بأجواء معتدلة وشواطئ ساحرة، وفي بقية أشهر العام تحتفظ بمزارعها ونخيلها وبحرها وتاريخها، لتظل وجهة قادرة على استقبال الباحثين عن الطبيعة والهدوء والاستكشاف.وربما لهذا السبب، فإن أجمل ما يحدث في رحلة صلالة ليس الوصول إليها، بل تلك اللحظة التي يحين فيها موعد المغادرة.تجلس في السيارة متجهًا إلى المطار، تمر للمرة الأخيرة بين أشجار النارجيل والطرق التي اعتدت عليها خلال أيام قليلة، وتنظر إلى الجبال البعيدة، ثم تدرك أن شيئًا ما بقي عالقًا في الذاكرة.رائحة اللبان.صوت المطر الخفيف.برودة الرذاذ على الوجه.الغيوم وهي تنحدر من الجبل.ومشهد الأرض الخضراء وهي تمتد أمامك بلا ضجيج.عندها فقط تفهم لماذا يعود الناس إلى صلالة عامًا بعد عام.فبعض المدن نزورها مرة لنراها…أما صلالة، فنعود إليها لأننا اشتقنا إلى الشعور الذي تركته فينا.



