الاعلام والتنمية

عن اللقاءات الجماهيرية.. بين «شو» الكاميرات والحلول الحقيقية

من أمتع المشاهد الإدارية التي يمكنك متابعتها في مجتمعاتنا المحلية، هو ما يُعرف بـ «يوم اللقاء الجماهيري». إنه اليوم الذي يتحول فيه ديوان عام المحافظة إلى مسرح كبير، تتمازج فيه دراما الوعود، بلقطات الكاميرات، وبابتسامات الرضا.يبدأ اللقاء الجماهيري عادةً ببروتوكول صارم ودقيق؛ يجلس المسؤول على منصته المرتفعة، وبجواره جهازه التنفيذي وأفراد مكتبه؛ تجد منهم من يهمس في أذن المسؤول بجدية، وآخر يتلقى طلبات المواطنين بهمة، وثالث خبير في اقتناص الزوايا، يضبط وقفته ببراعة فائقة ليرافق الكاميرا أينما اتجهت، ضامناً وجود ابتسامته في الكادر الخلفي لكل صورة يتم التقاطها، تحسباً لنشرها على الصفحة الرسمية!وفجأة، يدخل مواطن بسيط، أو شخص من ذوي الهمم يبتسم بكسرة أمل.. هنا، تحدث «اللقطة الذهبية»! ينزل المسؤول شخصياً من فوق المنصة، ويتخطى الحراس وسط تصفيق الحضور، وينحني للمواطن ليقبله، أو يطبطب على كتفه بحنان، بينما المصورون يقتنصون هذه اللحظة التاريخية من خمس زوايا مختلفة! تخرج الصورة في اليوم التالي بالمانشيت العريض: “المسؤول ينزل من منصته ليضم طفلاً أو معاقاً ويستمع لمعاناة مواطن!”.تلك المشاهد التي تُصدَّر لنا أسبوعياً تحاول رسم صورة وردية للعدالة الناجزة والتواصل المباشر مع نبض الشارع. غير أن الواقع خلف هذه العدسات يروي حكايات أخرى؛ حكايات لمواطنين أرهقهم الروتين، وجاؤوا يحملون في أيديهم ملفات أثقلها طول الانتظار، على أمل أن ترفع تلك اللقاءات الغمة عن كاهلهم.إن اللقاءات الجماهيرية لم تُبتكر لتكون استعراضاً إعلامياً ولا «شواً» تلتقط فيه الصور التذكارية؛ بل جُعلت لتكون الملاذ الأخير للمواطن البسيط حين تسد في وجهه أبواب الروتين المغلقة. غير أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من القرارات التوجيهية التي تُصدر خلال هذه اللقاءات تتوقف عند حدود التقاط الصورة، لتتحول الشكوى بعد مغادرة المسؤول إلى دوامة جديدة من «افحص واعرض»، والدوران في حلقة مفرغة بين الإدارات.ما يحتاجه الشارع اليوم ليس تعاطفاً أمام الكاميرات ولا لقطات احترافية من الخلف، بل نظام إداري ممتد يمتلك الرغبة والآلية لمعالجة أصل المشكلة؛ نظام يفكك التضارب في البيانات، ويصحح أخطاء الربط الإلكتروني، ويُحاسب المقصر دون حاجة المواطن للانتظار شهوراً حتى يبتسم حظه في الحصول على دور باللقاء الجماهيري.إن صناعة الأمل في قلوب البسطاء مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة إدارية، والحلول الحقيقية لا تحتاج إلى إضاءة كاميرا ولا تعديل زوايا التصوير، بل تحتاج فقط إلى ضمير حي يرى في شكوى المواطن حقاً واجباً، لا مجرد مشهد في تغطية إعلامية!

بواسطة
عبد العزيز أبو رحاب
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?