تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

هل تنجح الموازنة الجديدة؟ خطاب الرئيس أحمد الشرع يثير الجدل حول مستقبل الاقتصاد

اقرأ في هذا المقال
  • في ظل تحديات اقتصادية غير مسبوقة تعيشها المنطقة، جاء خطاب أحمد الشرع حول الموازنة العامة ليطرح تساؤلات كبيرة أكثر مما يقدم إجابات حاسمة، فاتحًا الباب أمام نقاش واسع حول قدرة هذه الموازنة على إنقاذ الواقع المعيشي أو مجرد إدارته مرحليًا. فالخطاب لم يكن مجرد عرض تقني للأرقام، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية واقتصادية تعكس حجم المرحلة وتعقيداتها، وتكشف في الوقت ذاته عن محاولة لإعادة صياغة الأولويات الاقتصادية في ظل واقع ضاغط. الخطاب لم يكن تقليديًا، بل حمل نبرة مختلفة أقرب إلى الاعتراف بالواقع، حيث أقرّ بوجود عجز مالي وضغوط اقتصادية متزايدة، في خطوة نادرة نسبيًا تعكس تحولًا في طريقة عرض السياسات المالية. هذه الصراحة قد تُحسب له، لكنها في الوقت ذاته تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع ترجمة هذا الاعتراف إلى حلول ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ أم أن الأمر سيبقى ضمن إطار الخطاب دون أثر حقيقي على الأرض؟ أرى أن أبرز ما جاء في خطاب الرئيس أحمد الشرع هو التركيز على تعزيز الإيرادات المحلية، في محاولة واضحة للخروج من دائرة الاعتماد على الدعم الخارجي، وهو توجه منطقي في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتراجع فرص التمويل التقليدي. كما أن الحديث عن تحسين التحصيل الضريبي وتنظيم الموارد يشير إلى نية إصلاحية واضحة، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حساسة حول آلية التطبيق، ومدى قدرة الحكومة على تحقيق هذا الهدف دون زيادة العبء على المواطن أو التأثير على النشاط الاقتصادي. وفي جانب الإنفاق، حاول الخطاب أن يبعث برسالة طمأنة، من خلال التأكيد على دعم القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة، إلى جانب الإشارة إلى مشاريع البنية التحتية التي تُعد حجر الأساس لأي عملية تنموية. إلا أن هذه الرسائل، رغم أهميتها، تبقى مرتبطة بمدى التنفيذ الفعلي، لأن المواطن لم يعد يكتفي بالوعود، بل ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على مستوى معيشته، سواء من حيث تحسن الخدمات أو استقرار الأسعار أو توفر فرص العمل. أما العجز المالي، والذي يُقدّر بعشرات التريليونات في مثل هذه الموازنات، فيبقى التحدي الأكبر أمام أي خطة اقتصادية. وقد طرح الخطاب حلولًا تعتمد على تحفيز الاستثمار وتنشيط الاقتصاد المحلي، مع فتح الباب أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا أساسيًا في عملية التنمية. هذا التوجه، إذا ما تم تطبيقه بشكل مدروس، قد يمثل تحولًا مهمًا نحو نموذج اقتصادي أكثر مرونة واستدامة، لكنه يتطلب في المقابل بيئة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، وثقة حقيقية في السوق. ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل الرسائل السياسية التي حملها الخطاب، خاصة تلك الموجهة إلى الخارج، والتي تعكس رغبة في خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار، وإعادة فتح قنوات التعاون الاقتصادي. إلا أن هذه الرسائل تبقى مرهونة بمدى قدرتها على التحول إلى واقع عملي، فالمستثمر لا يعتمد على التصريحات، بل على الاستقرار الفعلي، ووضوح التشريعات، وسرعة الإجراءات، وهي عوامل أساسية لأي بيئة استثمارية ناجحة. كما أن الخطاب يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التحول نحو اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، بدل الاعتماد على الإنفاق الحكومي فقط. هذا التحول يمثل خطوة ضرورية لأي دولة تسعى إلى تحقيق نمو مستدام، لكنه في الوقت ذاته يتطلب إصلاحات عميقة في بيئة الأعمال، تبدأ من تبسيط الإجراءات الإدارية، وتمر بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولا تنتهي عند مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية. ومن المهم الإشارة إلى أن نجاح أي موازنة لا يرتبط فقط بحجمها أو بأرقامها، بل بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الإيرادات والإنفاق، وبين دعم المواطن وتحفيز الاقتصاد. وهذا التوازن هو التحدي الحقيقي الذي ستواجهه الحكومة في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة. ورغم الإيجابيات التي يمكن رصدها في الخطاب، إلا أنني أرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الموازنة، بل في تنفيذها على أرض الواقع. فكم من خطط اقتصادية وُضعت بعناية، لكنها لم تحقق أهدافها بسبب ضعف التطبيق أو غياب المتابعة والرقابة. لذلك، فإن المرحلة القادمة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس. في النهاية، لا تُقاس الموازنات بحجمها، بل بقدرتها على تغيير حياة الناس… وهنا فقط يبدأ الحكم الحقيقي على خطاب الرئيس أحمد الشرع: هل سيكون بداية تحول اقتصادي فعلي، أم مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمة في انتظار ظروف أفضل؟
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?