لست وحيدًا… ولكن قدري جعلني وحيدًا

لست وحيدًا… حولي الكثير من الوجوه، أعرف أسماءها، وأسمع أصواتها، وأبادلها الحديث والابتسامات. أعيش بين الناس، أشاركهم أيامهم، وأقف معهم في أفراحهم وأحزانهم، لكنني، في أعماقي، أشعر أنني أسير طريقًا لا يسير فيه أحد سواي.لم أختر الوحدة يومًا، ولم أبحث عنها، لكن يبدو أن بعض الأقدار لا تستأذننا قبل أن تعيد تشكيل حياتنا. تأخذ منا أشخاصًا أحببناهم، وتبعد عنا آخرين وثقنا بهم، وتكشف لنا وجوهًا لم نكن نتصور أنها تستطيع أن تتغير. ومع مرور السنوات، نجد أنفسنا أقل حديثًا، أكثر حذرًا، وأشد قدرة على إخفاء ما نشعر به.تعلمت أن الإنسان قد يكون محاطًا بالمئات، ومع ذلك لا يجد شخصًا واحدًا يستطيع أن يقول له كل ما في قلبه دون خوف من سوء الفهم أو الحكم عليه. وقد يجلس وسط الضجيج، يضحك ويتحدث، بينما بداخله صمت لا يسمعه أحد.لست وحيدًا لأن الناس غابوا عن حياتي، بل لأن التجارب علمتني أن وجود الأشخاص لا يعني دائمًا وجود السند، وأن كثرة العلاقات لا تعني بالضرورة أن هناك من يفهمك حقًا. أحيانًا يكون أقسى أنواع الوحدة أن تحتاج إلى الكلام، ثم تكتشف أنك لا تعرف لمن تتحدث.كم مرة كنت حاضرًا حين احتاجني الآخرون، وغائبًا عن ذاكرتهم حين احتجت إليهم؟ كم مرة أخفيت تعبي حتى لا أثقل على أحد، بينما حملت أثقال الآخرين دون أن أسأل عن حجمها؟ وكم مرة قلت: «أنا بخير»، فقط لأن شرح ما بداخلي كان أصعب من الصمت؟ربما لهذا أصبحت أكثر هدوءًا. لم أعد أعاتب كثيرًا، ولا أركض خلف من اختار الابتعاد، ولا أحاول إقناع أحد بالبقاء. أدركت أن من يريدك في حياته سيجد لك مكانًا، ومن يعرف قيمتك لن يجعلك تتساءل كل يوم عن مكانتك لديه.ومع ذلك، لم تجعلني الوحدة قاسيًا. ما زلت أؤمن بالمحبة، وأفرح بصدق، وأقف إلى جانب من يحتاجني. لكنني تعلمت أن أحمي قلبي، وأن أمنح ثقتي ببطء، وأن أفرق بين من يحبني حقًا ومن يحب فقط ما أقدمه له.لست وحيدًا… ولكن قدري جعلني أتعلم كيف أمشي وحدي، كيف أنهض دون أن تمتد إليّ يد، وكيف أمسح دموعي قبل أن يراها أحد، وكيف أبتسم رغم أن في القلب حكايات لو رُويت لأوجعت من يسمعها.وربما ليست الوحدة دائمًا عقابًا؛ ربما تكون أحيانًا مساحة يعيد فيها الإنسان اكتشاف نفسه، ويرى بوضوح من يستحق البقاء ومن كان مجرد عابر. ففي الصمت نسمع أصواتًا أخفاها الضجيج، وفي الغياب نعرف قيمة الحضور الحقيقي، وفي الوحدة نتعلم أن أقوى سند قد نملكه يومًا هو ذلك الإنسان الذي نراه كل صباح في المرآة.أنا لست وحيدًا لأنني بلا أحد، بل لأن قدري علمني ألا أنتظر أحدًا كي أكمل طريقي.سأمضي… قد أتعب، قد أتوقف قليلًا، وقد أنظر خلفي بحنين، لكنني لن أنكسر. لأن الطريق الذي مشيته وحدي جعلني أعرف نفسي أكثر، وأدرك أن بعض الناس يولدون ليعيشوا بين الجموع، بينما يُكتب لآخرين أن يحملوا حكاياتهم بصمت، ويمضوا بها وحدهم.لست وحيدًا… ولكن قدري جعلني وحيدًا، وربما كان ذلك هو الثمن الذي دفعته لأعرف حقيقة الناس، وقيمة نفسي، ومعنى أن أكون قويًا حين لا يكون هناك أحد.



