من مسقط إلى ويندسور.. عُمان تحمل وقارها ورسالتها إلى العالم

كتب: محمد منذر ورد
هناك زيارات نتابع أخبارها، وهناك زيارات نشعر بها قبل أن نكتب عنها. هكذا تابعتُ زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة؛ بعين الصحفي الذي يقرأ التفاصيل، وبقلب إنسان يعيش على أرض عُمان، ويعرف كيف تصبح محبة هذا البلد جزءًا من روحه.
وأنا أشاهد مراسم استقبال جلالته في ويندسور، حضرت في ذهني مسقط بكل ما فيها من هدوء وطمأنينة. شعرتُ بأن عُمان حاضرة في ذلك المشهد بوقارها، وبأخلاق أهلها، وبتاريخها الذي منح علاقاتها مع العالم عمقًا ومعنى. كان العلم العُماني يرفرف، ومعه شعور بالفخر يتجاوز حدود الصورة إلى قلوب كل من أحب هذه الأرض.
جاءت زيارة الدولة، التي امتد برنامجها من 20 إلى 22 أكتوبر 2026، بدعوة من جلالة الملك تشارلز الثالث، في محطة مهمة من مسيرة العلاقات العُمانية البريطانية. وهي أول زيارة دولة لسلطان عُمان إلى المملكة المتحدة منذ زيارة السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، عام 1982؛ ما منحها بُعدًا تاريخيًا يصل بين إرث راسخ وتطلعات متجددة.
وفي الاستقبال الملكي، بحضور الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا وأمير وأميرة ويلز، حملت التفاصيل معاني التقدير: السلام السلطاني، والتحية الملكية، وموكب العربات، واستعراض حرس الشرف، ثم مأدبة العشاء الرسمية في قلعة ويندسور. رأيتُ في هذه المشاهد تعبيرًا عن قيمة علاقة حافظ البلدان عليها، وأرادا لهذه الزيارة أن تمنحها دفعة جديدة.


ولعل ما يلامسني في الحضور العُماني هو ذلك الهدوء الذي يحمل موقفًا، وتلك الثقة التي تمنح الحوار مكانه. فعُمان، كما عرفناها وأحببناها، تجعل من احترام الآخرين مدخلًا للتفاهم، وتمنح الأمل فرصة حتى حين تضيق الخيارات وتتعقّد الأزمات.
وقد ظهر هذا المعنى في المباحثات التي أجراها جلالة السلطان مع رئيس الوزراء البريطاني، حيث حضرت قضايا المنطقة، وسبل احتواء الأزمات، ودعم الأمن والاستقرار. كما عبّر الجانب البريطاني عن تقديره للدور العُماني، وأكد الجانبان أهمية استمرار حركة التجارة عبر مضيق هرمز وحماية سلاسل الإمداد العالمية.
وبالنسبة إليّ، فإن قيمة هذا التقدير تكمن في أثره الإنساني؛ فخلف كل جهد لحماية السلام أسرٌ تتطلع إلى الأمان، وشباب ينتظرون فرصة، وشعوب تستحق أن تبني مستقبلها بعيدًا عن الخوف. ومن هنا أقرأ أهمية الدبلوماسية العُمانية، وأفهم لماذا تستحق جهود التقريب والحوار أن تحظى بالاهتمام.
وحمل الاقتصاد بدوره مساحة مهمة في الزيارة، من خلال التوجّه إلى تعزيز الاستثمار والتعاون في الصناعات الخضراء والتقنيات المتقدمة والفضاء والابتكار. وربط البيان المشترك هذه الأولويات بمستهدفات «رؤية عُمان 2040»، إلى جانب توسيع التعاون في التعليم وبناء القدرات.
وهنا يتجه تفكيري إلى الشباب العُماني، وإلى ما يمكن أن تفتحه هذه الشراكات أمامه من معرفة وخبرة وفرص. فالقيمة التي ننتظرها من الاتفاقات والتفاهمات تظهر حين يشعر بها الإنسان في تعليمه وعمله ومستقبله، وحين تصبح الطموحات مشروعات يراها الناس ويلمسون أثرها.
وبوصفي صحفيًا سوريًا يعيش في سلطنة عُمان، أجد في هذه اللحظات مساحة صادقة للتعبير عن الامتنان لبلد منحنا الأمان والاحترام. نفرح بحضوره، ونعتز بما يحققه، ونرى في تقدير العالم له تقديرًا لقيم لمسناها في حياتنا اليومية، وفي تعامل أهله معنا.
هكذا بقيت زيارة جلالة السلطان إلى بريطانيا في وجداني: علمٌ يرفرف في ويندسور، وعلاقة تاريخية تتجدد، وآفاق تنتظر العمل. وبقيت معها أمنية من القلب بأن تحمل خطوات التعاون خيرًا لعُمان وأهلها، وأن يظل صوت الحكمة قادرًا على فتح باب للأمل في عالم يحتاج إليه.
حفظ الله جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، وحفظ عُمان وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمن والسلام.




