هيثم.. سلطان الحكمة والسلام

د . آمنه ال عبدالسلام
ثمة شخصيات لا تحتاج إلى ضجيج الكلمات كي تترك أثرها، ولا إلى المبالغة في وصفها كي تتضح ملامحها؛ إذ تحمل في هدوئها ما يستوقف النظر، وفي اتزانها ما يدعو إلى التأمل، وفي حضورها ما يذكّر بأن القيادة ليست ارتفاعًا في المكانة فحسب، بل سموٌّ في المسؤولية، وحكمةٌ في التقدير، وبصيرةٌ في النظر إلى الحاضر والمستقبل.
ومن هذه المعاني نستحضر شخصية السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، بما تمثله من امتدادٍ لمسيرة وطنية عريقة، وما يرتبط بها من معاني الوقار والاتزان والمسؤولية، في مرحلة تتطلب من القيادة عمق الرؤية، وثبات المبادئ، وحسن التعامل مع متغيرات الزمن.
هيثم.. سلطان الحكمة والسلام…. ليس العنوان هنا مجرد وصفٍ تتزين به الكلمات، بل مدخلٌ إلى معنى أعمق؛ فالحكمة ليست في كثرة القول، وإنما في أن يكون للكلمة موضعها، وللقرار وقته، وللموقف ميزانه. وهي ليست مظهرًا من مظاهر القوة، بل جوهرٌ يمنح القوة رشدها، ويجعل المسؤولية أمانةً لا امتيازًا، والقيادة عملًا لا مظهرًا.
ولعل من أعمق سمات القيادة أن تجمع بين الثبات والمرونة؛ ثباتٍ على المبادئ التي تصون هوية الوطن وكرامته، ومرونةٍ في التعامل مع المتغيرات التي لا تتوقف عند حدود زمنٍ أو ظرف. فالقائد الذي ينظر إلى الأمور ببصيرة لا تستوقفه تفاصيل اللحظة عن غايات المستقبل، ولا تدفعه تحولات الواقع إلى التفريط في الثوابت، بل يوازن بين مقتضيات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
وفي هذا التوازن تتجلى إحدى صور الحكمة: أن يُصان الإرث دون أن يصبح قيدًا، وأن يُستقبل الجديد دون أن تضيع ملامح الأصل، وأن تمضي الأوطان إلى الأمام وهي أكثر تمسكًا بجذورها، وأشد وعيًا بما يفرضه المستقبل من مسؤوليات.
وللهيبة في القيادة معنى يتجاوز المظهر؛ فهي ليست في ارتفاع الصوت، ولا في شدة العبارة، ولا في استعراض النفوذ، بل في الوقار الذي يلازم المسؤولية، وفي الاتزان الذي يحفظ للمواقف قدرها، وفي القدرة على أن تظل البوصلة واضحة وسط تقلبات الظروف. فالهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تعلن عن نفسها في كل حين؛ يكفيها أن ترتبط بالمسؤولية، وأن تستند إلى احترام الدولة ومكانتها، وأن تظل غايتها خدمة الوطن وصون مصالحه.
أما التواضع، فهو من المعاني التي تمنح الوقار إنسانيته؛ إذ لا تعارض بين علوّ المسؤولية والتواضع، ولا بين قوة القرار وسعة الصدر. بل إن القيادة الرشيدة تدرك أن مكانة الإنسان لا تعفيه من واجب الإصغاء، وأن الحكمة تزداد عمقًا حين تتسع للرأي، وأن المسؤولية تزداد قيمة حين يبقى الإنسان في صميمها.
ومن هنا، فإن الحديث عن القيادة لا ينبغي أن يقف عند الصفات في صورتها المجردة، بل يتأمل ما تعنيه من مبادئ: الإنصات قبل الحكم، والتروي قبل القرار، والعدل في تقدير الأمور، والصبر في مواجهة التحديات، والنظر إلى المصلحة العامة باعتبارها الغاية التي تنتظم حولها المسؤوليات.
وحين تبلغ الحكمة هذا المعنى، يصبح السلام امتدادًا طبيعيًا لها.
فالسلام ليس ضعفًا في الموقف، ولا تراجعًا عن الحقوق، ولا صمتًا أمام التحديات؛ بل هو شجاعة العقل حين يرفض أن يكون الصراع هو الخيار الأول، وبصيرة القيادة حين تدرك أن ما يمكن أن تحققه لغة الحوار قد تعجز عنه لغة المواجهة. إنه القدرة على حفظ الكرامة دون إشعال الخصومة، وصون المصالح دون إغلاق أبواب التفاهم، وإدراك أن الاختلاف بين الدول لا يلغي حاجتها إلى التعايش، وأن المصالح المتباينة لا تمنع البحث عن مساحات مشتركة.
ومن هنا تتضح دلالة النهج العُماني الذي جعل من حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والحوار سبيلًا لحل الخلافات، معالم أساسية في علاقاته مع الآخرين. وهي معالم لا تنبع من ظرفٍ عابر، بل تنسجم مع تجربة وطن أدرك عبر تاريخه أن التواصل مع العالم يحتاج إلى الحكمة، وأن صون الاستقرار يتطلب نفسًا طويلًا، وأن السلام الحقيقي لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه المواقف المتزنة والثقة المتبادلة.
ولعل أجمل ما في هذا النهج أنه يمنح القوة معناها الأرقى؛ فالقوة ليست في القدرة على المواجهة وحدها، بل في القدرة على تجنبها حين يكون التفاهم ممكنًا، وفي إبقاء أبواب الحوار مفتوحة حين تضيق المسارات، وفي البحث عن الحلول التي تحفظ للشعوب أمنها وللدول كرامتها.
وفي عالمٍ تزداد فيه سرعة الأحداث، وتتعقد فيه المصالح، وتعلو فيه أحيانًا أصوات التصعيد، تزداد قيمة القيادة التي تدرك أن الحكمة لا تعني الغياب عن المشهد، بل حسن الحضور فيه؛ وأن السلام لا يتحقق بالأمنيات، بل يحتاج إلى صبرٍ سياسي، ووعيٍ بالعواقب، واستعدادٍ للاستماع، وإيمانٍ بأن مستقبل الشعوب أكبر من أن يُختزل في خلافات اللحظة.
أما عُمان، فإنها تحمل في شخصيتها الوطنية رصيدًا من الاعتدال والتواصل والتسامح، وتاريخًا من الانفتاح على الشعوب والثقافات. وهي هوية لا تتعارض مع الاعتزاز بالذات، بل تمنحه أفقًا أوسع؛ فالوطن الواثق من جذوره لا يخشى الحوار، والمعتز بتاريخه لا يجد في التعايش انتقاصًا من مكانته، بل يرى فيه امتدادًا لقيمه الإنسانية والحضارية.
وفي ظل هذه المعاني، تتصل صورة السلطان بصورة الوطن؛ فالقائد ليس منفصلًا عن تاريخ شعبه، ولا عن القيم التي تشكل وجدانه، ولا عن تطلعاته إلى الأمن والكرامة والازدهار. وتظل مسؤولية القيادة أن تصون هذا الإرث، وأن تواصل البناء عليه، وأن تجعل من استقرار الوطن قاعدةً للتنمية، ومن وحدته مصدرًا للقوة، ومن طموح أبنائه أفقًا للمستقبل.
وليس أعمق في الحكمة من أن يدرك الإنسان أن بناء الأوطان مسيرة لا تنتهي عند إنجاز، وأن الثقة تُصان بالعمل، وأن المكانة تزداد رسوخًا حين تقترن المسؤولية بالإنجاز، وحين تتحول المبادئ إلى ممارسة، وتجد التطلعات طريقها إلى الواقع.
إن الألقاب قد تختصر المعاني، لكنها لا تغني عن المواقف؛ والكلمات قد ترسم الصورة، لكن الزمن وحده يكشف عمق التجربة. ومن هنا، فإن أجمل ما يمكن أن يُكتب عن قائدٍ هو أن تكون الكتابة تأملًا في القيم التي يمثلها، وفي المسؤوليات التي يحملها، وفي الآمال التي يعلقها الوطن على مستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
هيثم.. سلطان الحكمة والسلام.
اسمٌ يستحضر وقار القيادة، ومعنى المسؤولية، وقيمة الاتزان، ورسالة السلام التي تؤمن بأن الحوار أفقٌ للحلول، وأن احترام الآخرين طريقٌ إلى التفاهم، وأن الأوطان لا تصون حاضرها فحسب، بل تبني مستقبلها أيضًا بالبصيرة والعمل.
وفي عُمان، حيث تتعانق أصالة التاريخ مع تطلعات المستقبل، تظل الحكمة قيمةً تُستضاء بها الطريق، والسلام رسالةً تتجاوز الحدود، والوطن أمانةً تتوارثها الأجيال.
حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها لما فيه خير الوطن والإنسان بقيادة مولاي السلطان هيثم المعظم حفظه الله وألبسه تاج العافية .


