📃 ••| الكلمة مرآةً للأخلاق

إلى زملاء العمل والأصدقاء…
إلى المعلمين والمعلمات، وإلى إدارات المدارس، وإلى أولياء الأمور، وإلى كل من يؤمن أن التربية ليست كتابًا يُدرَّس، وإنما أخلاقٌ تُبنى، وقدوةٌ تُرى، وكلمةٌ قد تصنع إنسانًا أو تترك في قلبه أثرًا لا يُنسى…
في حياتنا الإجتماعية وبين أروقة العمل، وكثرة المواقف، وتعدد الآراء، قد نختلف، وقد نغضب، وقد تصلنا كلمات لا تروق لنا، أو مواقف تضعنا أمام لحظة نحتاج فيها إلى أن نرد.
لكن الإنسان لا يُختبر في لحظة الرضا، وإنما يُختبر حين يغضب…
ولا تظهر أخلاقه عندما يُحسن إليه الآخرون، بل عندما يملك القدرة على الرد، ثم يختار ألّا يؤذي.
فليس كل ما يخطر في البال يُقال، وليس كل ما يُقال يليق أن يُقال لكل شخص، وليس كل ردٍّ انتصارًا.
أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، وأحيانًا تكون كلمة واحدة كافية لتكشف معدن قائلها، وأحيانًا يكون أجمل انتصار للإنسان أن يحافظ على أخلاقه، حتى في موقف حاول فيه الآخرون أن يستفزوا أسوأ ما فيه.
العرب قديمًا كانوا أمةً تعرف كيف تصون الكلمة، وكيف تمنح الإنسان مقامه، حتى في الوصف.
فكانوا يسمّون الأعمى «بصيرًا»، والمريض «معافى»، وكأنهم كانوا يدركون أن اللغة ليست مجرد حروف، وإنما هي أدب ورحمة وستر وحفظ لمشاعر الإنسان وكرامته.
وفي الأدب العربي تُروى قصة جميلة عن العباس رضي الله عنه، حين سُئل:
من أكبر أنت أم رسول الله ﷺ؟
فلم يندفع إلى إجابة مباشرة قد تُفهم على غير ما أراد، وإنما اختار من الكلام ما يليق بمقام النبوة، فقال بأدب:
«هو أكبر مني، وأنا وُلدت قبله.»
كلمات قليلة، لكنها تحمل درسًا كبيرًا:
أن الذكاء ليس دائمًا في أن تقول ما تعرف، بل في أن تعرف كيف تقول ما تعرف.
وهنا يكمن الفرق بين الإنسان الذي يملك الكلام، والإنسان الذي تملكه الأخلاق.
───
وفي الميدان التربوي، تصبح هذه المعاني أكثر عمقًا؛ لأن المعلم لا يتعامل مع أوراق وملفات فقط، بل يتعامل مع إنسان في طور التكوين.
فالطالب قد ينسى درسًا، وقد يخطئ في إجابة، وقد يتعثر في سلوك، لكنه قد لا ينسى أبدًا كلمة قالها له معلمه في لحظة ضعف، أو نظرة احتقار شعر بها، أو موقفًا جعله يعتقد أنه أقل من الآخرين.
ولهذا فإن على المعلم أن يتعامل مع طلبته بضمير حي، وعدل، ورحمة، وحكمة، وأن يتذكر أن أمامه أرواحًا تتشكل، وشخصيات تُبنى، وثقة بالنفس قد يصنعها معلم، أو يهدمها دون أن يشعر.
ليس المطلوب من المعلم أن يتساهل مع الخطأ، ولا أن يتخلى عن دوره في التوجيه والتقويم، وإنما المطلوب أن يكون حازمًا دون قسوة، عادلًا دون تمييز، ناصحًا دون تجريح، ومربيًا قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة.
فالتربية ليست أن نُشعر الطالب بأنه أخطأ فقط، وإنما أن نساعده على أن يعرف كيف يصحح خطأه، وكيف يصبح أفضل.
والمعلم الذي يعمل بضمير لا يسأل فقط: هل أنجزت حصتي؟
بل يسأل نفسه:
ماذا تركت في نفوس طلابي اليوم؟
هل خرج أحدهم من حصتي أكثر ثقة بنفسه؟
هل شعر أحدهم أن معلمه يؤمن بقدرته؟
هل كنت عادلًا؟
هل أنصفت من أخطأ؟
وهل أعطيت كل طالب فرصة لأن يكون أفضل؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الفرق بين أداء الواجب، وأداء الرسالة.
───
وهنا أجدني مضطرًا إلى عتابٍ صادق، لا يحمل إساءة لأحد، وإنما ينبع من محبة لهذه المهنة، واحترام للأم، وإيمان بأن البيت والمدرسة جناحان لطائر واحد اسمه التربية.
أمهاتنا وأخواتنا الكريمات…
كم من كلمة تُقال في مجموعة واتساب، ثم تنتشر كأنها حقيقة، وهي في الأصل مجرد رواية من أم سمعت من أم، أو معلومة نقلها ابن، أو انطباع قاله زوج، أو موقف لم يُسمع فيه الطرف الآخر أصلًا!
وكم من معلمة أصبحت موضوعًا للحديث في مجموعة من الأمهات، وهي لا تعلم أن اسمها يُتداول، ولا تعرف ما الذي قيل عنها، ولم تُمنح حتى فرصة أن تجلس مع ولي الأمر وتشرح موقفها!
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
هل كل ما يصلنا حقيقة؟
هل كل ما يقوله أبناؤنا هو الصورة الكاملة للموقف؟
وهل كل ما نسمعه من الآخرين يستحق أن يتحول إلى حكم على إنسانة أفنت وقتها وجهدها في تعليم أبنائنا؟
الأبناء قد يرون الموقف من زاويتهم، والمعلمة قد تراه من زاوية أخرى، وربما تكون الحقيقة بين الروايتين.
لذلك، قبل أن نتحدث عن معلمة في مجموعة، وقبل أن نطلق حكمًا، وقبل أن نعيد نقل قصة لم نتحقق منها، فلنذهب إليها أولًا.
اجلسي معها.
اسمعي منها.
اسأليها.
امنحيها فرصة أن تشرح.
فقد تكتشفين أن وراء الموقف شيئًا لم تعرفيه، أو أن ما وصل إليك لم يكن كاملًا، أو أن المشكلة يمكن أن تُحل بكلمة هادئة في دقائق، بدل أن تتحول إلى حديث طويل في مجموعة لا يعلم إلى أين يصل.
إن الاختلاف مع المعلمة حق، والسؤال حق، والاستفسار حق، ورفع الملاحظة حق، والمطالبة بحق الابن حق محفوظ.
لكن النميمة ليست حقًا، والتشهير ليس حقًا، والاتهام دون تثبت ليس حقًا.
وإذا كانت هناك مشكلة حقيقية، فهناك أبواب رسمية، وهناك إدارة مدرسة، وهناك معلمة يمكن الجلوس معها، وهناك قنوات يمكن من خلالها الوصول إلى الحقيقة ومعالجة الخلل.
أما أن يصبح هاتف الأم مجلسًا للحكم على المعلمات، وأن تتحول مجموعات التواصل إلى ساحات لتبادل الاتهامات، فذلك لا يخدم أبناءنا، ولا يحل مشكلة، ولا يبني مدرسة.
بل قد يهدم الثقة التي نحتاجها أكثر من أي وقت مضى.
والأشد ألمًا أن يقرأ الأبناء أو يسمعوا أمهاتهم يتحدثن بسوء عن معلميهم، ثم نطلب منهم في صباح اليوم التالي أن يحترموا المعلم!
كيف نريد من الطالب أن يقدّر معلمته، إذا كان يسمع في بيته ما يقلل من شأنها؟
وكيف نطالبه بالاحترام، ونحن نعلّمه بطريقة غير مباشرة أن الاختلاف يعني الإساءة؟
إن الطفل يتعلم من سلوكنا أكثر مما يتعلم من نصائحنا.
───
لقد آن الأوان أن ينتقل ولي الأمر من دور المتابع الذي ينتظر الخطأ، إلى دور الشريك الفاعل والداعم للمدرسة.
فالمدرسة ليست خصمًا للأسرة، والمعلم ليس خصمًا للطالب، والإدارة ليست جهة تبحث عن الأخطاء.
نحن جميعًا في سفينة واحدة.
وما يربطنا أكبر من أي موقف عابر؛ إننا نعمل من أجل إنسان هو ابننا وابنكم، وهو في الغد موظف، وطبيب، ومهندس، ومعلم، وربان، وقائد، وعضو فاعل في هذا الوطن.
فماذا نريد منه؟
أن ينجح في الاختبار فقط؟
أم أن يتعلم كيف يكون إنسانًا صالحًا، يعرف قيمة العلم، ويحترم من يعلمه، ويحترم وطنه، ويعرف أن ما يحصل عليه اليوم من تعليم هو جزء من حق وطن عليه، ومن واجبه أن يرد هذا الجميل غدًا؟
وهنا يأتي الدور العظيم لولي الأمر.
أن يقول لابنه:
اذهب إلى مدرستك لتتعلم.
احترم معلمك.
احترم زملاءك.
اسأل عندما لا تفهم.
اعترض بأدب إذا اختلفت.
اجتهد، لأن العلم ليس من أجل الدرجات فقط، بل من أجل أن تكون إنسانًا نافعًا لوطنك.
وأن يقول له:
إن وطنك استثمر في تعليمك، ومعلمك بذل من وقته وجهده من أجلك، وأسرتك تنتظر منك أن تجعل من هذا العلم أثرًا طيبًا في المستقبل.
هذه هي التربية التي نحتاجها.
أن نعلّم أبناءنا أن الوطن لا يُرد جميله بالكلمات فقط، وإنما بالعلم والعمل والإخلاص والأمانة.
───
قد يخطئ المعلم، وقد يخطئ ولي الأمر، وقد يخطئ الطالب، وقد تخطئ الإدارة.
فنحن بشر، ولسنا ملائكة.
لكن الأخلاق تظهر في الطريقة التي نتعامل بها مع الخطأ.
إذا أخطأ المعلم، فلنساعده على التصحيح دون أن نهدم مكانته.
وإذا أخطأ ولي الأمر، فلنختلف معه دون أن نسيء إليه.
وإذا أخطأ الطالب، فلنقوّمه دون أن نكسر روحه.
وإذا أخطأت الإدارة، فلنطالب بالتصحيح من خلال الحوار والقنوات الصحيحة.
فالغاية ليست أن ينتصر طرف على طرف.
الغاية أن ينتصر أبناؤنا.
أن ينتصر التعليم.
أن تنتصر الأخلاق.
أن تنتصر قيم المجتمع.
وأن يخرج من مدارسنا جيل يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتقد دون أن يجرح، وكيف يطالب بحقه دون أن يسلب غيره كرامته.
───
قد ينسى الطالب عشرات الدروس، لكنه قد يتذكر معلمًا آمن به حين لم يؤمن به أحد.
وقد تنسى المعلمة موقفًا عابرًا، لكنها قد لا تنسى أمًا جاءت إليها لتفهم قبل أن تحكم.
وقد ينسى ولي الأمر مشكلة حدثت قبل سنوات، لكنه قد يتذكر إدارة مدرسة احتوته واحترمت مخاوفه.
وقد ينسى المعلم خلافًا مع ولي أمر، لكنه لن ينسى بالتأكيد ولي أمر وقف إلى جانبه وقال:
«أنا أثق بكم، وإذا كان هناك خطأ فلنتعاون على إصلاحه.»
هذه هي الشراكة الحقيقية.
أن نكون لبعضنا سندًا لا عبئًا، وشركاء لا خصومًا، وبناة لا هادمين.
فلنحفظ جوهرنا قبل صورتنا، وأخلاقنا قبل كلماتنا، وكرامة الآخرين قبل رغبتنا في الانتصار.
ولنتذكر نحن المعلمين والمعلمات وإدارات المدارس وأولياء الأمور أن التربية مسؤولية مشتركة؛ لا تستطيع المدرسة وحدها أن تصنع طالبًا يحترم الآخرين، ولا يستطيع البيت وحده أن يبني شخصية متوازنة.
نحن جميعًا شركاء في صناعة الإنسان.
فليكن المعلم قدوة في أخلاقه،
وليكن ولي الأمر قدوة في احترامه للمعلم،
وليكن الطالب متعلمًا للعلم والأدب معًا،
ولتكن المدرسة بيتًا يتعلم فيه الجميع أن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن الكلمة الطيبة ليست ضعفًا، وأن الأدب ليس ترفًا، بل هو أساس الإنسان.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير:
من عاش صفرًا من الأخلاق والأدب،
يحيَ فقيرًا ولو يمشي على الذهب.
ما قيمة المرء إلا طيب جوهره،
لا ما حواه من الأموال والحسب.
فالكلمة قد تنتهي في لحظتها…
لكن أثرها قد يبقى عمرًا كاملًا.
فاختروا كلماتكم بعناية…
فربما كانت الكلمة التي تقولونها اليوم، هي الذكرى التي يحملها أحدهم عنكم طوال حياته.
وكونوا لطفاء في ردودكم، راقين في اختلافكم، رحماء في كلماتكم، منصفين في أحكامكم، متثبتين فيما تسمعون…
فأنتم لا تربّون أبناءكم بالكلام الذي تقولونه لهم فقط، بل بالسلوك الذي يرونه منكم.
ولعل أجمل ما نتركه خلفنا ليس منصبًا، ولا لقبًا، ولا إنجازًا يُكتب في ملف، وإنما قلبٌ يقول بعد رحيلنا:
كان إنسانًا راقيًا… اختلف معنا، لكنه لم يؤذنا …



