الاعلام والتنمية

التعامل الإنساني

التعامل الإنساني ليس مجرد أسلوب نتبعه في مخاطبة الآخرين، بل هو انعكاس لما نحمله في نفوسنا من قيم ومبادئ. فالإنسان الراقي لا يُقاس بكثرة ما يملك، ولا بما يشغله من مكانة، وإنما بما يتركه في نفوس الآخرين من أثر طيب، وما يمنحه لهم من احترام وتقدير.
ويبدأ التعامل الإنساني من أبسط الأمور؛ من كلمة لطيفة، وابتسامة صادقة، واستماعٍ باهتمام، ومراعاةٍ لمشاعر الآخرين. فقد تكون كلمة عابرة سببًا في إسعاد إنسان، كما قد تكون كلمة قاسية سببًا في جرحٍ يبقى أثره طويلًا. ولذلك فإن حسن اختيار الكلمات من أجمل صور الحكمة، لأن الكلمة مسؤولية، وما يخرج من اللسان قد يصعب استرجاعه.
ومن أهم أسس التعامل الإنساني أن نحترم اختلاف الناس في أفكارهم وطباعهم وظروفهم. فليس من الضروري أن نتفق مع الآخرين في كل شيء حتى نحسن معاملتهم، بل يكفي أن ندرك أن لكل إنسان تجربته الخاصة، ووجهة نظره التي تشكلت من بيئته وحياته ومواقفه. والاختلاف حين يُحاط بالاحترام لا يكون سببًا للخصومة، بل قد يصبح وسيلة للفهم والتقارب.
كما أن التعاطف من أسمى صور الإنسانية؛ فأن نشعر بآلام الآخرين، ونقدّر ظروفهم، ونمنحهم قدرًا من العذر قبل أن نصدر الأحكام عليهم، هو سلوك يدل على نضج النفس ورقيها. ولا يعني التعاطف أن نوافق على كل تصرف، وإنما يعني أن ننظر إلى الإنسان بإنصاف، وأن نفرّق بين الخطأ وصاحبه.
ويظهر حسن التعامل أيضًا في المواقف التي لا ننتظر فيها مقابلًا. فمساعدة المحتاج، وإسناد الضعيف، والوقوف إلى جانب من يمر بظرف صعب، كلها أعمال قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل قيمة عظيمة في بناء مجتمع تسوده الرحمة والتكافل.
إن التعامل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة أو التصنع؛ فهو سلوك هادئ ومستمر، يظهر في تفاصيل الحياة اليومية وفي المواقف الصغيرة قبل الكبيرة. أن نحترم الكبير، ونرحم الصغير، ونقدّر العامل، ونحفظ للآخرين كرامتهم، وأن نختلف دون إساءة، ونعتذر حين نخطئ، ونسامح حين يكون التسامح ممكنًا؛ كل ذلك صور عملية للإنسانية في أجمل معانيها.
وفي النهاية، فإن قيمة الإنسان لا تتجلى فيما يقوله عن نفسه، بل فيما يشعر به الآخرون بعد لقائه. وقد لا نتذكر كثيرًا من الكلمات التي قيلت لنا، لكننا نتذكر جيدًا من عاملنا بصدق، ومن حفظ لنا كرامتنا، ومن كان حضوره باعثًا على الطمأنينة. ولذلك يبقى التعامل الإنساني من أصدق علامات الرقي، ومن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه من أثر.
وما أجمل الأثر حين نغادر الحياة ويبقى ممتد بين الناس .

بواسطة
د.آمنه آل عبد السلام_سلطنة عُمان
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?