الاعلام والتنمية

السعودية في يومها الوطني الـ96.. وطن يصنع مستقبله بثقة

في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تستعيد المملكة العربية السعودية واحدة من أهم محطات تاريخها الحديث، يوم تحولت فيه مسيرة طويلة من التوحيد والبناء إلى دولة حملت اسم المملكة العربية السعودية، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية وصناعة المكانة الإقليمية والدولية.

ويأتي اليوم الوطني السعودي الـ96 لعام 2026 ليجدد حضور هذه الذكرى بما تحمله من معانٍ تتجاوز الاحتفال، إلى قراءة تجربة وطن استطاع خلال عقود أن ينتقل من مرحلة تأسيس الدولة وتوحيد أراضيها إلى مرحلة بناء اقتصاد كبير، ومؤسسات حديثة، وبنية تحتية متطورة، وحضور سياسي واقتصادي مؤثر في المنطقة والعالم.

وتعود جذور هذه المناسبة إلى الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932، عندما أُعلن توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، بعد رحلة سياسية وعسكرية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، بدأت باسترداد الرياض عام 1902، وصولاً إلى قيام الدولة السعودية الحديثة. ومنذ ذلك التاريخ، تعاقبت مراحل البناء والتنمية، لترسخ المملكة مكانتها دولةً ذات وزن عربي وإسلامي ودولي.

واليوم، وبعد أكثر من تسعة عقود على إعلان التوحيد، تبدو المملكة أمام مرحلة مختلفة في طبيعة تحدياتها وطموحاتها. فالسعودية التي كانت تعتمد لعقود بصورة كبيرة على عائدات النفط، تعمل اليوم على توسيع قاعدتها الاقتصادية، وتنمية قطاعات السياحة والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه والثقافة والرياضة، ضمن مشروع تحولي واسع تقوده رؤية السعودية 2030.

وقد شهدت السنوات الماضية توسعاً ملحوظاً في حجم الأنشطة غير النفطية، وزيادة حضور القطاع الخاص، إلى جانب مشروعات استثمارية وتنموية كبرى تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي ورفع مستوى تنافسيته إقليمياً ودولياً. كما برزت المملكة بقوة في قطاعات لم تكن في السابق ضمن الصورة التقليدية للاقتصاد السعودي، وفي مقدمتها السياحة والفعاليات الدولية والرياضة والترفيه والصناعات الحديثة.

ولعل قطاع السياحة يمثل واحداً من أبرز التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت مدن ومناطق سعودية عديدة إلى وجهات تستقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها، بالتوازي مع تطوير مشروعات كبرى مثل الدرعية والعلا والبحر الأحمر وغيرها، ما يعكس توجهاً نحو بناء صناعة سياحية متكاملة تسهم في تنويع الاقتصاد وتوفير فرص عمل جديدة.

ولا يقتصر التحول السعودي على المشاريع الضخمة أو المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى الاستثمار في الإنسان السعودي، الذي يمثل محوراً أساسياً في عملية التنمية. فقد توسعت برامج التدريب والتأهيل، وزادت مشاركة الشباب في القطاعات الاقتصادية الجديدة، كما شهدت سوق العمل تغيرات واسعة في طبيعة الفرص المتاحة ومسارات التوظيف وريادة الأعمال.

ويحمل شعار اليوم الوطني لهذا العام «عزّنا بطبعنا» دلالة ترتبط بالقيم التي تعتز بها المملكة في مجتمعها، من الأصالة والكرم والهمّة والشجاعة والرؤية، في محاولة لربط مسيرة التطور المتسارعة بالهوية الثقافية والاجتماعية التي تشكل جزءاً أساسياً من شخصية المجتمع السعودي.

وفي محيطها العربي والإسلامي، حافظت المملكة على مكانة خاصة انطلاقاً من موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي واحتضانها الحرمين الشريفين، إضافة إلى حضورها السياسي في الملفات الإقليمية والدولية. كما لعبت عبر تاريخها الحديث أدواراً مؤثرة داخل المؤسسات العربية والإسلامية والدولية، وأسهمت في عدد كبير من المبادرات السياسية والاقتصادية والإنسانية.

وتشهد السعودية في السنوات الأخيرة تصاعداً في حضورها على خريطة الفعاليات العالمية، سواء من خلال استضافة المؤتمرات والقمم الاقتصادية والسياسية، أو الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى، بما يعكس طموحاً واضحاً لأن تكون المملكة مركزاً إقليمياً للأعمال والاستثمار والسياحة والفعاليات الدولية.

وبين السعودية عام 1932 والسعودية عام 2026 قصة وطن تبدلت فيه أدوات البناء، لكن فكرة الدولة القوية والمستقرة بقيت حاضرة. فإذا كانت مرحلة التأسيس قد ارتبطت بتوحيد الأرض وترسيخ مؤسسات الدولة، فإن المرحلة الحالية ترتبط بتوحيد الطاقات حول مشروع تنموي واسع يستهدف الاقتصاد والمجتمع والبنية التحتية ومكانة المملكة في النظام الدولي.

ومن هنا، فإن اليوم الوطني السعودي لا يمثل مجرد مناسبة للاحتفال بتاريخ مضى، بقدر ما يشكل محطة لاستحضار مسيرة وطنية طويلة والنظر إلى ما ينتظر المملكة في السنوات المقبلة، خصوصاً مع اقتراب عام 2030 وما يحمله من مستهدفات اقتصادية وتنموية طموحة.

السعودية اليوم دولة تستند إلى إرث تاريخي عميق، لكنها في الوقت ذاته تتحرك بعين مفتوحة على المستقبل، وتخوض سباقاً مع الزمن لتوسيع اقتصادها، وتطوير مدنها، وتعزيز قدراتها البشرية والتقنية، وترسيخ موقعها بين الدول الأكثر تأثيراً في المنطقة.

وفي يومها الوطني الـ96، تبدو المملكة أمام صورة وطن يعتز بتاريخه، ويتمسك بهويته، ويواصل بناء مستقبله بثقة وطموح، بينما يظل الثالث والعشرون من سبتمبر شاهداً سنوياً على رحلة بدأت بتوحيد الأرض، واستمرت ببناء الدولة، وتمضي اليوم نحو مرحلة جديدة عنوانها التنمية والتحول وصناعة المستقبل.

بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?