
✍🏻 علياء السباعي
ثَمّة أشياء لا تُرى، لكنها تُغيّرنا.
كلمةٌ قيلت في لحظة عابرة، ومضت من فم قائلها كأنها لم تكن، بينما ظلّت في مكانٍ ما من القلب، تكبر كلما مرّ بها العمر. ويدٌ امتدت إلينا ذات يوم، ربما لم يعرف صاحبها أنها أنقذتنا من شيءٍ لم نخبر به أحدًا. وشخصٌ عبر حياتنا سريعًا، لكنه ترك خلفه أثرًا أطول من حضوره.
نحن لا نتغيّر دائمًا بسبب الأحداث الكبيرة؛ أحيانًا تصنعنا التفاصيل الصغيرة التي لم نلتفت إليها حين حدثت.
موقفٌ جعلنا أكثر صمتًا، خيبةٌ علّمتنا أن نختار بعناية، فقدٌ جعلنا نُقدّر وجود من نحب، وتأخّرٌ في أمنيةٍ جعلنا نؤمن أن بعض الأشياء تأتي حين نكون أكثر استعدادًا لها.
ثم نمضي…
ننسى أسماء بعض المواقف، وتتلاشى ملامح الأيام، وربما لا نعود نتذكر متى بدأ التغيّر فينا، لكننا نكتشف ذات يوم أننا لم نعد الأشخاص الذين كنّاهم.
ذلك هو الأثر الذي لا يُرى؛
أن تترك الأيام شيئًا منك فينا دون أن نعرف متى تركته.
وليس الأثر دائمًا وجعًا؛ فقد يكون طمأنينةً تركها شخص في قلبٍ خائف، أو كلمةً أعادت لإنسان ثقته بنفسه، أو موقفًا صغيرًا جعل أحدهم يؤمن أن الخير ما زال موجودًا.
لهذا، ربما علينا أن ننتبه أكثر لما نتركه خلفنا.
فقد ننسى نحن ما قلناه، بينما يظل شخصٌ آخر يعيش أثره. وقد نرى موقفًا عابرًا، بينما يكون بالنسبة لإنسانٍ آخر نقطة تحوّل لا ينساها.
وفي النهاية، لا يُقاس حضورنا في حياة الآخرين بطول بقائنا فيها، بل بما تركناه حين مضينا.
فبعض الناس يرحلون،
لكن شيئًا منهم يبقى.
وبعض الكلمات تنتهي لحظتها،
لكن صداها لا ينتهي.
وبعض المواقف تنقضي،
لكن أثرها يعيد تشكيلنا من الداخل.
لذلك، لا تستهِن بما تتركه في قلوب الآخرين؛
فأجمل الآثار هي تلك التي لا تُرى،
لكنها تُشعر القلب بأنه لم يكن وحده.



