الثقافة والفنون
أخر الأخبار
في رحاب النور والذكر: زيارة مجلة المشرق العربي للشيخ حمود بن حميد الصوافي في ولاية سناو
- في ولاية سناو، حيث تمتزج أصالة المكان بعبق العلم، تشرفت مجلة المشرق العربي بزيارة خاصة إلى سماحة الشيخ المربي حمود بن حميد الصوافي، أحد أعلام عُمان البارزين في مجال الدعوة والتربية والعلم الشرعي، والذي يمثل نموذجًا نادرًا للتقوى والبصيرة والإخلاص في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتشابك المفاهيم. ولد الشيخ حمود الصوافي في بلدة المغدر بولاية سناو في أربعينيات القرن الماضي، ورغم فقده لبصره في سن الطفولة، إلا أن إرادته الصلبة وشغفه بالعلم جعلاه من كبار العلماء والمربين الذين يُهتدى بهم. بدأ حياته العلمية مبكرًا بحفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم العقيدة والفقه واللغة على يد كبار العلماء العمانيين، فحفظ المتون وتعمق في الشروح، حتى غدا مرجعًا يُقصد من كل حدب وصوب. وفي مجلسه العامر بالسكينة والنور، حيث تحفّه هيبة العلماء ووقار الصالحين، استقبلنا سماحته بكلماتٍ طيبة ومجلس مفعم بذكر الله والموعظة الحسنة، وقد بدا واضحًا مدى ما يتمتع به من صفاء الروح ورجاحة العقل وسعة العلم. دار الحديث معه حول أهمية تزكية النفس، ودور العلماء في تهذيب المجتمعات، ومكانة التربية الإيمانية في النهوض بالأمم، مؤكدًا أن بناء الإنسان يبدأ من القلب والعقل، وأن القدوة العملية أبلغ من ألف خطاب. الشيخ الصوافي لم يكن مجرد عالم يحفظ ويعلّم، بل كان وما زال مدرسةً قائمةً بذاتها، خرّجت أجيالًا من طلبة العلم والدعاة والمربين. وقد عُرف بعطائه المتدفق من خلال دروسه اليومية، ومحاضراته الإذاعية، وعلى رأسها سلسلة "شذرات إسلامية" التي لامست القلوب والعقول، فضلًا عن مؤلفاته القيّمة مثل "زاد الخطيب" و"روضة الإيمان" و"القواعد في النحو"، والتي تمثل رافدًا معرفيًا وروحيًا زاخرًا لكل من يطلب العلم والتزكية. في كل زاوية من حديثه، تتجلى حكمة العالم وتواضع المربي وحنان الشيخ، حيث لا يملّ من النصح والتوجيه، ولا يدّخر جهدًا في مد يد العون لطلابه وزائريه، يُعلّم بالخلق قبل القول، ويهدي بسيرته قبل درسه. وقد أكد خلال اللقاء على أهمية الحفاظ على الموروث الديني واللغوي، وربط الجيل الجديد بجذوره الأصيلة دون أن ينفصل عن معطيات العصر، مشددًا على أن النهضة الحقيقية لا تكتمل دون التزام روحي وعقلي متوازن. ولا شك أن أمثال الشيخ الصوافي يمثلون ركيزة أساسية في تحقيق مضامين رؤية عُمان 2040، التي تُعلي من شأن الهوية الوطنية، وتدعو إلى بناء الإنسان العُماني المتزن في فكره وسلوكه، المنفتح على العالم دون أن يفقد جذوره. فالعلم عند الشيخ ليس شهادة تُعلق، بل رسالة تُحمل، والتدين ليس مظهرًا، بل سلوك حي يترجم في كل موقف. غادرنا ولاية سناو وقد امتلأت قلوبنا بنورٍ لا يُوصف، واستشعرنا كيف أن لعُمان رجالًا من نور، يسيرون على الأرض بقلوبٍ معلقة بالسماء، لا تفتنهم الدنيا، ولا تُقعدهم العثرات، يحملون على عاتقهم أمانة العلم والدين، ويضيئون الطريق لمن أراد النجاة. الشيخ حمود بن حميد الصوافي ليس مجرد اسم، بل هو ذاكرة عُمانية حية، ونموذج يُحتذى، وعلمٌ من أعلام النور في هذا الوطن المبارك.



