- في حَضرةِ الكِبارِ، لا تُكتَبُ الكلماتُ، بل تُستَحضَرُ الأرواحُ، وفي حَضرةِ أبي هَمام، لا تُروى الذِّكرياتُ، بل تُنشَدُ القصائدُ. هذا المقالُ ليسَ سيرةً جامدةً، ولا تأريخًا أكاديميًّا، بل هو نَبضُ قلبِ تِلميذٍ تَتلمذَ على يدِ شاعرٍ نَبيلٍ، وارتشفَ من مَعينِ فِكرِه، وتفيَّأَ ظِلالَهُ في مكتبةِ دارِ العُلومِ، وفي قاعاتِ الشِّعرِ، وفي صالوناتِ الفِكرِ. هو شهادةُ حُبٍّ، ووَفاءٍ، وامتِنانٍ لِظِلِّ العَقَّادِ، ونُورِ الأندَلُسِ، وأُستاذِ الأرواحِ. وُلِدَ الدكتورُ عبدُ اللطيفِ عبدُ الحليمِ، المعروفُ بلقبِ "أبي هَمام"، بمحافظةِ المُنوفيةِ عامَ ١٩٤٥م، وحفِظَ القرآنَ الكريمَ وهو دونَ العاشرةِ، ثم التحقَ بمعهدِ شبينَ الكومِ الأزهريِّ، وانتقلَ منهُ إلى كليةِ دارِ العُلومِ، التي تخرَّجَ فيها، وعُيِّنَ مُعيدًا عامَ ١٩٧٠م. ثم سافرَ في بَعثةٍ علميَّةٍ إلى مدريد، حصلَ خلالها على الليسانسِ والماجستيرِ والدكتوراه، وعادَ بعدها ليعملَ أُستاذًا ورئيسًا لقسمِ الدراساتِ الأدبيَّةِ بدارِ العُلومِ. تتلمذَ الفقيدُ على يدِ العِملاقِ عباسِ محمودِ العَقَّاد، وشيخِ المُحقِّقينَ العلَّامةِ محمودِ محمدِ شاكر، فأسهما معًا في تشكيلِه الثقافيِّ والفكريِّ، وصقلا موهبتَهُ الشعريَّةَ والنقديَّةَ. تولَّى رئاسةَ جمعيةِ العَقَّادِ الأدبيَّةِ، وكان عضوًا باتحادِ الكُتَّابِ، وعضوًا بلجنةِ ترقيةِ الأُساتذةِ بالمجلسِ الأعلى للجامعاتِ. نالَ جائزةَ الدولةِ التشجيعيَّةَ عن جُهودِه في الترجمةِ الإبداعيَّةِ، وجائزةَ البابطينِ في الشِّعرِ، واختيرَ عضوًا بمجمعِ اللغةِ العربيَّةِ عامَ ٢٠١٢م. ألَّفَ ستةَ دواوينَ شعريَّةٍ، منها: الخوفُ من المطرِ، هديرُ الصمتِ، وأغاني العاشقِ الأندلسيِّ، فضلًا عن العديدِ من الكُتبِ والدِّراساتِ، مثل: المازنيُّ شاعرًا، وشُعراءُ ما بعدَ الدِّيوانِ. وقد أثْرى المكتبةَ العربيَّةَ بمُصنَّفاتٍ وأبحاثٍ ومقالاتٍ أثبتتْ ريادتَهُ في ميدانِ الشِّعرِ والنقدِ. كان لقائي الأوَّلَ بأبي هَمام في رُدهاتِ كليةِ دارِ العُلومِ، منذ اثنينِ وثلاثينَ عامًا. دخلتُ مكتبةَ الكليةِ أبحثُ عن مرجعٍ أدبيٍّ، فإذا بي أراهُ واقفًا أمامَ أمينِ المكتبةِ، يستعيرُ مجموعةً من الكُتبِ، يحملُها بين يديه كما يحملُ العاشقُ دفاترَ الحنينِ. كان بصحبتهِ عاملٌ من الكليةِ، جاء ليساعدَهُ في حملِ المراجعِ، لكنَّ أبا هَمام، رغمَ مكانتِه العلميَّةِ، أبى أن يُحمِّلَهُ مُؤونةَ الكُتبِ، وحملَها بنفسِه، في مشهدٍ يفيضُ تواضعًا، ويُجسِّدُ نُبلَ العلماءِ الذين لا تُغرُّهم الألقابُ ولا المناصبُ. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ، وجمعتْنا به قاعةُ الدَّرسِ، التي امتلأتْ بالطالباتِ والطَّلبةِ، حتى ضاقتْ عن استيعابِ مزيدٍ من الأقدامِ. ورغمَ الزِّحامِ، خيَّمَ الصَّمتُ على المكانِ، كأنَّما الزَّمنُ توقَّفَ إجلالًا لصوتِ أبي هُمام، الذي انسابَ كخريرِ نهرٍ عذبٍ، يحملُ بين طيَّاتهِ قصائدَ كأنَّها شدوُ العنادلِ، زادها جمالًا أداؤهُ الرَّقيقُ، وصوتُهُ الرَّخيمُ، المُمتلئُ قوَّةً مصحوبةً بالدِّفءِ. كان صوتُه، طيَّبَ اللهُ ثراهُ، وهو يُلقي قصائدَهُ، يُزلزلُ جنباتِ القاعةِ، ويعودُ بنا إلى زمنِ المُتنبِّي وبشَّار وأبي تمَّام، وكانت محاضرتهُ أشبهَ بسوقِ عُكاظ، مُلتقى الشُّعراءِ والأُدباءِ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ؛ لينشدوا فيها قصائدَهم وأشعارَهم. رحمَ اللهُ أُستاذي الرُّوحيَّ، الشاعرَ الكبيرَ الدكتورَ النَّضيرَ أبا هَمام، فقد كنتُ أُغشي مكتبَهُ وندواتِه وأمسياتِه، وأقرأُ بين يديه أشعاري ومقاماتي، التي أثنى عليها ثناءً جمًّا، لا سيَّما مقامةَ جوهرَ التي كتبتُها عامَ ١٩٩٧م، وقال عنها بحضورِ الأُستاذِ الطَّاهرِ مكِّي: "الشَّربيني باكورةُ أديبٍ واعدٍ يكتبُ بلغةِ الأسلافِ في مضامينَ معاصرةٍ، ومقامتهُ تلك خليقٌ بأن تُدرَّسَ لطلابِ دارِ العُلومِ في قادمِ الأيَّامِ!" كما أتذكَّرُ تشجيعَهُ لي في مناشطِ الفنِّ التَّشكيليِّ بجامعةِ القاهرةَ، حين اشتركتُ بلوحةِ ولادةَ بنتِ المُستكفي في شتاءِ عامَ ١٩٩٨م، ضمنَ فعالياتِ الأسبوعِ الثقافيِّ. قال يومَها للدكتورِ أحمدَ هيكلَ رحمهُ الله: "انظرْ يا أُستاذَنا إلى تلكمِ اللوحةِ، ألا تُذكِّركَ بشاعرةٍ أندلسيَّةٍ؟" فأجابَ هيكلُ ضاحكًا: "أحسبُها واللهِ ولادةَ بنتَ المُستكفي شكلًا وروحًا، أمَّا من جهةِ الزِّيِّ، فهي أقربُ إلى ممثِّلاتِ سميرِ غانم في إعلانِ مسرحيَّتهِ (أنا ومراتي ومونيكا)!" غرقَ الجميعُ في الضَّحكِ، ولما رأى الدكتورُ هيكلُ امتعاضَ وجهي، قال كلمتَهُ الشَّهيرةَ: "بُنيَّ، الرَّسمُ بالفرشاةِ كالرَّسمِ بالكلماتِ، وإذا أردتَ تصويرَ شخصيَّةٍ تراثيَّةٍ، فعليكَ أن تقرأَ عنها كلَّ التَّفصيلاتِ، وتُحيطَ بكافَّةِ الجوانبِ الإنسانيَّةِ والنَّفسيَّةِ، لا التَّاريخيَّةِ فقط." وأتذكَّرُ أيضًا دهشةَ أُستاذي حين علمَ بانتسابي لقسمِ علمِ اللغةِ والدِّراساتِ السَّاميةِ، فقال لي: "أينَ أنتَ يا شربيني؟ ما لي لا أراكَ ضمنَ قوائمِ الأدبِ والنَّقدِ؟! أعرفُ منزعكَ الأدبيَّ ومَشربكَ الشِّعريَّ ذا المنزعِ الدِّيوانيِّ!" فأجبتُهُ بخجلٍ: "لقد انتسبتُ إلى قسمِ علمِ اللغةِ، حيثُ العلَّامةُ كمالُ بشر، والدكتورُ عبدُ الصَّبورِ شاهين." فقال مُبتسمًا: "البحثُ العلميُّ رسالةٌ، وكان الأحرى بكَ أن تبحثَ فيما تُحبُّ وتُبدع، لا فيما تطمعُ أن تنالَ وتُسمع. عمومًا، سيُطاردك الأدبُ حيثما كنتَ، والأيّامُ بيننا." ثم طلب لي قدحًا من اليانسون، وقال مازحًا: "الشايُ لمن يتذكّرون، ومن تركنا وذهب إلى غيرنا فله منّا اليانسون!" وقد صدق، فالأدبُ ظلّ يُطاردني في أبحاثي اللغويّة مطاردةَ السهمِ للرميّة، لا أستطيعُ عنه انفكاكًا. وكانت آيةُ ذلك أن سجّلتُ أطروحتي للدكتوراه بعنوان: المُعربُ في الشعرِ الأمويِّ – دراسةٌ لغويّةٌ تأصيليّةٌ، ونلتُ بها مرتبةَ الشرفِ الأولى عامَ ٢٠١٥م، بعد قراءةٍ وتدبّرٍ لأكثرَ من مئتين وخمسينَ ديوانًا شعريًّا. وكلّما أنهيتُ ديوانًا، تردّدت في ذهني كلمتُهُ الخالدة: "الأدبُ سيُطاردك حيثما كنتَ، والأيّامُ بيننا!" وفي يومِ الثلاثاء، السادسَ عشرَ من ديسمبرَ عامَ ٢٠١٤م، توقّفَ الربّانُ عن التجديفِ، وأسلمَ الروحَ إلى بارئِها عن عمرٍ ناهزَ التاسعةَ والستين. رحلَ أبو هَمام بصمتٍ، تاركًا خلفَهُ فراغًا لا يسدُّهُ الزمنُ، وقلوبًا مُلتاعةً، وأدبًا يتيّمُ بفقدِه. رحمهُ اللهُ أديبنا الجليل وفارس القريض الأصيل رحمةً واسعةً، وتجاوز عن هناته وأسكنهُ فسيحَ جنّاته، وألهمَنا بفقده ، صبرًا وسلوانًا.



