تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار
هل يتم التحكم بالمناخ في الشرق الأوسط؟ الحقيقة الصادمة وراء مزاعم “برمجة الطقس” وHAARP

- في لحظة إقليمية مشحونة بالأحداث والتوترات، لم تعد العواصف والظواهر الجوية مجرد حالة طبيعية عابرة في نظر الكثيرين، بل تحولت إلى مادة خصبة لنظريات تتحدث عن “حرب خفية” تُدار عبر السماء. خلال الفترة الأخيرة، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من المنشورات التي تزعم أن ما تشهده المنطقة العربية من تقلبات جوية عنيفة ليس صدفة، بل نتيجة “تحكم مبرمج بالمناخ” باستخدام تقنيات متطورة مثل مشروع HAARP، في سردية تربط بين الطقس والسياسة بطريقة تثير القلق وتشد الانتباه. هذه الروايات، رغم انتشارها الواسع، تصطدم بحقيقة علمية أكثر تعقيدًا وأقل إثارة. فالطقس ليس نظامًا بسيطًا يمكن العبث به أو توجيهه عن بعد، بل هو شبكة ديناميكية هائلة من التفاعلات التي تشمل حرارة المحيطات، والتيارات الهوائية، واختلافات الضغط الجوي، ودوران الأرض، وتراكمات زمنية تمتد لسنوات. أي تغير في هذه المنظومة يحتاج إلى طاقة بحجم كوكب، وليس إلى جهاز أو مشروع بحثي مهما بلغت تقنيته. أما مشروع HAARP، الذي يُقدَّم في كثير من الأحيان كأداة “تحكم سري بالمناخ”، فهو في حقيقته برنامج علمي لدراسة طبقة الأيونوسفير، وهي طبقة عليا من الغلاف الجوي. يستخدم هذا المشروع موجات راديوية محدودة التأثير مقارنة بالقوى الطبيعية التي تتحكم في الطقس. وحتى اليوم، لا يوجد أي دليل علمي موثوق يثبت قدرة هذه التقنية على صناعة الأعاصير أو تحريك المنخفضات الجوية أو التأثير على المناخ العالمي، وكل ما يُقال في هذا السياق يبقى ضمن إطار التكهنات غير المدعومة بالأدلة. في المقابل، هناك تقنيات حقيقية مثل “الاستمطار الصناعي”، تُستخدم بالفعل في بعض الدول بهدف زيادة فرص هطول المطر، لكنها تظل محدودة للغاية وتعتمد على وجود سحب جاهزة، ولا يمكنها خلق عواصف أو التحكم بأنظمة جوية واسعة. الفارق بين العلم والخيال هنا كبير، لكن الفضاء الرقمي غالبًا ما يخلط بينهما، خاصة عندما تُقدَّم المعلومات في قالب درامي مشحون بالمصطلحات الغامضة مثل “الترددات” و”البرمجة” و”السلاح الجيوفيزيائي”. السؤال الأهم ليس فقط: هل هذه المزاعم صحيحة؟ بل لماذا يصدقها هذا العدد الكبير من الناس؟ الإجابة تكمن في التوقيت والسياق. فعندما تتزامن الظواهر الجوية القاسية مع أحداث سياسية أو عسكرية في المنطقة، يصبح الربط بينهما مغريًا، خصوصًا في بيئة إعلامية سريعة تبحث عن التفاعل والانتشار. الخوف، الغموض، والشعور بوجود “قوة خفية” تتحكم بالمشهد، كلها عوامل تدفع هذه الروايات إلى الواجهة وتمنحها قوة تأثير أكبر من الحقائق العلمية. لكن ما يغيب عن هذا النقاش هو العامل الأكثر واقعية وخطورة: التغير المناخي. الشرق الأوسط يُعد من أكثر المناطق تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة والتقلبات الجوية الحادة، وهو ما تؤكده تقارير علمية دولية تشير إلى زيادة شدة العواصف وتكرارها في السنوات الأخيرة. ما نراه اليوم قد يكون غير مألوف، لكنه ليس غير مفهوم علميًا، بل نتيجة مسار طويل من التغيرات البيئية التي تتسارع وتيرتها. الاستسلام لفكرة أن ما يحدث هو “هجوم مناخي مبرمج” قد يبدو تفسيرًا سهلًا، لكنه في الواقع يبعدنا عن مواجهة التحديات الحقيقية، مثل ضعف البنية التحتية في بعض الدول، أو غياب الاستعداد الكافي للتعامل مع الكوارث الطبيعية، أو الحاجة إلى سياسات بيئية أكثر جدية. وبينما ينشغل البعض بتتبع “مؤامرة غير مرئية”، يستمر الواقع في فرض نفسه عبر تغيرات مناخية ملموسة تتطلب استجابة حقيقية، لا تفسيرًا افتراضيًا. في نهاية المطاف، يبقى ميزان العلم هو الفيصل. وحتى الآن، لا توجد أي أدلة تثبت أن الطقس يُدار أو يُبرمج أو يُستخدم كسلاح على هذا النحو الذي يتم تداوله. ما يحدث في سماء المنطقة هو نتاج نظام طبيعي شديد التعقيد، يتفاعل مع عوامل متعددة، بعضها معروف وبعضها لا يزال قيد الدراسة، لكنه في كل الأحوال لا يخضع لسيناريوهات التحكم البشري التي يتم الترويج لها. قد يكون من السهل تصديق رواية “التحكم بالمناخ”، لكن الأصعب—and الأهم—هو فهم الحقيقة كما هي، بعيدًا عن الإثارة، وأقرب إلى الواقع الذي يتشكل أمام أعيننا كل يوم.



