الثقافة والفنون
أخر الأخبار

نقر ونعترف

اقرأ في هذا المقال
  • كلما مر بي العمر ينتابني شعور بدنو الأجل وباقتراب ملك الموت مني أكثر وأكثر، ويخيل لي كما لو كان يشير لي بأن دوري هو التالي. قال تعالى ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) الأنعام 61 وقال ( يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) السجدة 11 وقد مر بنا العرف على أن من تقدم به العمر وبلغ منه أرذله، لن ولم يعيش بقدر ما عاش، وأن هذه المرحلة العمرية من دلائل قرب انقضائه. مع يقيني التام بأن لا أحد قط، يعلم متى وأين سينتهي أجله وينقضي عمره، قال تعالى ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) لقمان 34 ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) آل عمران 145 وسيكون في الوقت المحدد له سابقا من المولى عز وجل، ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) المنافقون 11 فكل نفس ذائقة الموت، كما قال جل علاه ( كل نفس ذائقة الموت ) آل عمران 185 قد يكون بعد ثواني أو دقائق أو ساعات أقل من ذلك أو أكثر لا يعلم توقيتها إلا الله. وقد يمتد بنا العمر إلى ما شاء الله، على غير ما نتوقع ونظن، قال تعالى ( ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) الحج 5 وقال ( ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ) غافر 67 وقال ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب الله ) فاطر 11 وكلما امتد بي العمر، يلح على نفسي سؤال، ماذا أعدت لدارها الأخرى، وينتابني شعور بالخوف من تلقي الإجابة، وعلى أي حال سيكون خروجي روحي، وهل ستهون علي سكرات الموت، وعند مواراتي التراب كيف ستكون ضمة القبر وضغطته، هل سيضيق قبري أم سيفسح وينيره الله لي، هل سيكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، هل مقامي فيه مقام نعيم وسرور أم عذاب وشقاء، وماذا عن حسابي في الآخرة أيكون يسيرا أم عسيرا؟ وأتخيل مصيرها في كلتا الحالتين، وتتابين مشاعري بين الغبطة والحزن وبين السرور والأسى، أأبكي لقرب حلول أجلي، ومفارقتي الدنيا بكل ما فيها، وخوفا من مصير لا يعلمه إلا الله، أم ابتسم رجاء فيما عند الله، وطمعا في رحمته، ومستبشرا بأن يبدلني الله دارا خيرا من داري وأهلا خيرا من أهلي، وشوقا للقاء الأحبة كما كان يقول بلال بن رباح رضي الله عنه، ولا أشعر إلا بقشعريرة في جسدي وارتجاف فرائصي، فأفوض أمري لله. وكلما مرت أمامي دقيقة من عمري دون أن أجعل منها رصيدا للآخرة يلازمني إحساس بالغم والهم، وأتمنى لو أن كل ما مضى من عمري تجمع أمامي مرة ثانية لتحويله لحسنات. كنت أظن أن ما عليه من شباب وصحة وقوة، سيستمر بي على ما هو كائن، لكن خاب ظني بمرور السنين، فلم يدم أي منها على حاله، وما من نعمة أنعم الله بها علي إلا وجاء الوقت وذهبت عني أو ذهبت عنها برضاي أو بغيره، نعمة الصحة والمال والولد والوظيفة والمركز، كله زال ولم يبق لي إلا الذكريات، بحلوها ومرها بطيبها وخبيثها بجيدها ورديئها، فإن كانت خيرا حمدت الله عليها كثيرا، وإن كانت شرا فأسارع إلى التوبة والاستغفار والدعاء. كل شيء هلك وفني، قال تعالى ( كل من عليها فان ) الرحمن 26 فيا ليتني اغتنمت شبابي قبل هرمي وصحتي قبل سقمي، قال تعالى في سورة الزمر آية 56 ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) يا حسرتي على ما ضيعت من العمل بما أمر الله به، ويا حسرتي على ما قصرت في طاعته وحقه، يا ليتني كنت انصعت لمن نصحني وقتذاك بالبعد عن ما أنا فيه، ويا ليته لم يكتف بنصحي، ومنعني بكل قوة، نعم كنت سأتصدى له وتدور بيننا مشاجرات، تنتهي بأذية أي منا، ولكن أذية بدني بالأمس أهون علي كثير مما ينتظرني غدا، ومما أعيشه الآن من تأنيب ضمير وأسف على ما فات، وما أصابني من فرط إتباع الشهوات، كنت أتلذذ بالمتع ولم أكن أشعر بأي نفور عنها، ولا أفيق منها إلا على عواقبها ومآلاتها. وكلما صادفتني لحظة تفكر فيما أقوم به، راودني التسويف والمماطلة والتأخير، والاعتماد علي رحمة الله ومغفرته، ليدفعني في نفس الطريق، لأبقى على ما عليه، وأنغمس فيها حتى أذناي. فلم يبقى لي الآن إلا الندم على ما مضى، والعزم الصادق إلا أعود إليه، ومتابعة ما استقبله من عمري، بالإيمان الصادق والعمل الصالح، رغبة في عفو الله، وطلبا لمغفرته، ورجاء لرحمته، وليبدل الله سيئاتي إلى حسنات، فضلا منه وإحسانا، ولله الحمد والشكر، وإن ضعفت قوتي، فعزيمتي لم تفتر بعد، وما ضعف بدن عما قويت عليه النية، قال تعالى في سورة طه 83 ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) وقال ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) الفرقان 70 وقال ( فاتقوا الله ما استطعتم ) التغابن 16 ولذا أقر وأعترف بأني أذنبت وارتكبت من المعاصي ما لا يمحوه إلا عفوك يا عفو، ومن الآثام ما لا يزيحه إلا غفرانك يا غفور، ومن السيئات ما لا يزيلها إلا رحمتك يا رحيم، ربي لم أعبدك حق عبادتك، ولا أحد يقدر أن يعبدك يا الله حق عبادتك، ويعرفك حق معرفتك، ويتقيك حق تقواك، ويعظمك حق عظمتك، ولو عبدتك يا الله بكل ما أستطيع ما أدي ذلك من حقك. ربي لم أؤد ما يجب علي، وحدت عن سبيلك إلى غيره من السبل، وما من طريق سلكه الشيطان، إلا وسلكته حبوا أو مشيا أو ركضا، واتبعت سبل شياطين الأنس شبرا بشبر وذراعا بذراع، رغم أن كيد الشيطان كان ضعيفا، إلا أن ضعف نفسي أمام المغريات، قد أعطى لضعف الشيطان قوة وتسلطا علي، ذلك أن قوة العدو في أحيان كثيرة لا تستند إلى قوة ذاتية لديه، بقدر ما تستند إلى ضعف الخصم وتراخيه واستسلامه، والمعصية قد تكون زلة عارضة، نتيجة لضعف في الإرادة ينتهي بعد حين، أو تكون غائرة في النفس متمكنة منها ساكنة في أعماقها، ويبدأ الشيطان غوايته، بخطره على البال، ثم فكرة، ثم همة وعزم، ثم فعل، ثم يتحول الفعل إلى عادة وسلوك، وأصعب الحرام أوله ثم يستسهل ويستساغ ويحلو، ثم يبحث عنه أو عن حرام مشابه له، فإذا أراد الفرد منا أن ينجو من حبائل الشيطان فلا يستسلم لخطواته، وليحذر أول خطوة، فالتنازل الأول يجر للتنازل الأخير في كثير من الأحوال. لقد غرتني الدنيا واستعبدتني الشهوات فأطلقت لها العنان، واستهوتني نزواتي، فاستبحت المنكرات والرذائل، امتدت يدي لما لا يحل لي، بطشت وضربت بغير حق، وكتبت ما لا يحوز كتابته، مروجة لباطل ومشيعة لفاحشة وناشرة لفساد، وتوسعت في الكسب من ربا ورشوة وسرقة وغش واختلاس، وبصري طاف بكل عورة تتبعها وتفحصها وتمحصها ثقل غطاؤها أم خف، ولساني خاض في كل عرض وقذف وسب وأهان واغتاب ونم ما لا يعد ولا يحصى، وأذني استمعت إلى ما حرم استماعه، رجلي سارعت لكل متعة، فاستحسنت الاختلاط بالجنس الأخر في النوادي والحفلات الماجنة والشؤاطئ والرحلات، وما يتبع ذلك من تلامس وتلاصق وأحضان وقبلات إلى ما يصل بنا الأمر، وبطني اشتهت كل ما لذ وطاب، من مأكل ومشرب فاستطعمت المسكرات والمخدرات وغيرهما من محرمات الأطعمة، أكلت وتمتعت كما تأكل الأنعام، استقويت على الضعيف، وتنمرت على كل ما كان تحت يدي، تعاليت وتكبرت عليهم، وحسدت كل ذي نعمة ليس في حوزتي منها، وللأسف في كل أمر كنت أجد من يعاونني ويساعدني وبل ويشجعني على المضي فيه. لا أدري كم أضاعت من متع حلال باستعجالي لمتع الحرام، وكم أكلة حرام منعت عني أكلات حلال، وكم من لذة خبيثة فوتت لذات طيبات، وكم من فضيلة أضاعتها المعصية، ولو تذوقت الحلال لاستشعرت بحلاوته التي تفوق كل لذات الحرام، ولكن ظلمت نفسي باستجابتي لأهوائها وشهواتها فكنت سببا في هلاكها، قال تعالى في سورة الطلاق آية 1 ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) ومالي لا أعترف بذنوبي وقد قال تعالى في كتابه الكريم ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) التوبة 102 كما قال تعالى في شأن أبوانا آدم وحواء عليهما السلام ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين ) الأعراف 23 وحكي عن سيدنا موسى قوله ( رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) القصص 16 وعن سيدنا يونس ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) الأنبياء 87 وأصبح هذا الدعاء وهذا الاعتراف من خير الأدعية التي تنجي العبد من كربه. قال عليه الصلاة والسلام ( دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء إلا استجاب الله له ) وعن ملكة سبأ أنها قالت ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) النمل 44 فلا بأس من أن نعترف بذنوبنا في خلوتنا مع الله ومنجاتنا له، فمن ستره الله في الدنيا فلا يفضح نفسه على رؤوس الإشهاد، كما يجوز الاعتراف في حالة مصلحة تعود على المعترف أو على الناس، نقر جميعا ونعترف، ولا نكابر ولا نبرر لأنفسنا ما ارتكبناه، ولا نقنع أنفسنا باضطرارنا لفعله، ولا نسوق الحجج والبراهين لذلك، وكفى بالله شهيدا علينا، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما أخفينا وما أعلنا، وهو أعلم بنا منا، فلن ينفعنا الندم بعد الممات، قال تعالى في شأن الذين لم يعترفوا بتقصيرهم إلا بعد أن ذاقوا عذاب النار ( فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ) الملك 11 وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) نعترف اعترافا نرجو الله تعالى أن يسقط به السيئات وتتهاوى أمامه الذنوب، اعترافا ينشرح معه الصدر، ونتخلص به من تأنيب الضمير، ونفتش في زوايا النفس لنمسح غبار السنين، ونشمر به عن ذراعينا ونتحفز لننطلق بعد غياب طال زمنه، فنطرق كل باب من أبواب الخير، بلا تقاعس ولا تهاون وبكل تأهب وتصميم على تعويض ما فات والله المستعان. فالاعتراف بالذنب، إذا اقترن بالندم، والإقلاع والعزم على عدم العودة، فإنه يعتبر من علامة الفوز وتشبث بطوق النجاة، قال تعالى ( فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) غافر 11 يا رب رجعت إليك تائبا، رجعت إليك نادما، رجعت إليك مستغفرا، يا رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، واسترني بسترك الجميل، ولا تفضحني بين خلقك، ولا تخزني يوم يبعثون، وأعتق رقبتي من النار، وأدخلني الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب، مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب يعقب الحسرة ويورث الندامة ويحبس الرزق ويرد الدعاء ويمحق الحسنات ويضاعف السيئات ويحل النقمات ويغضبك. اللهم فيما بقي لي من عمر، أهد قلبي وكف أذني وعيني ولساني وسائر جوارحي عن فعل ما يغضبك وسخرهم لطاعتك وطاعة رسولك ولكل عمل يقربني من الجنة ويبعدني عن النار. وأجب دعائي، أنك على كل شيء قدير، ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) الزمر 53 وقال عليه الصلاة والسلام ( والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد منكم بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ).
بواسطة
أشرف شعبان أبو أحمد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?