
- قبل انطلاق منافسات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تتجه الأنظار إلى أزمة متصاعدة تهدد بحرمان آلاف المشجعين من حضور الحدث الرياضي الأكبر في العالم، ليس بسبب أسعار التذاكر أو تكاليف السفر، وإنما بسبب القيود المفروضة على التأشيرات وإجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة. فبينما ينتظر عشاق كرة القدم حول العالم مشاهدة نسخة استثنائية من البطولة، يجد كثير من المشجعين أنفسهم أمام عقبات معقدة تحول بينهم وبين تحقيق حلم حضور مباريات منتخباتهم الوطنية من المدرجات. وتزداد المخاوف مع استمرار سياسات حظر السفر وتجميد معالجة التأشيرات لمواطني عدد من الدول، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وجهات رياضية اعتبرت أن الرياضة يجب أن تبقى مساحة مفتوحة للتقارب بين الشعوب بعيداً عن الاعتبارات السياسية. المفارقة أن اللاعبين والأجهزة الفنية والبعثات الرسمية يحظون باستثناءات تتيح لهم المشاركة في البطولة، بينما يبقى المشجع العادي، الذي يمثل روح كأس العالم وجوهره الحقيقي، خارج دائرة هذه الاستثناءات. فحاملو التذاكر الذين أنفقوا مبالغ كبيرة على السفر والإقامة لا يملكون أي ضمانة بالحصول على تأشيرة الدخول أو السماح لهم بعبور الحدود الأمريكية. وقد بدأت بالفعل مؤشرات واضحة على تراجع إقبال الجماهير الدولية على بعض المباريات المقامة داخل الولايات المتحدة، مع تزايد حالات إلغاء الحجوزات والتذاكر، واتجاه العديد من المشجعين إلى التركيز على المباريات التي تستضيفها كندا والمكسيك، حيث تبدو إجراءات الدخول أكثر مرونة وأقل تعقيداً. ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الجماهير فقط، بل امتدت إلى بعض المسؤولين والعاملين في المنظومة الرياضية، ما أثار تساؤلات حول مدى قدرة الدولة المضيفة على توفير بيئة متكاملة تضمن مشاركة جميع الأطراف المرتبطة بالبطولة دون عراقيل أو استثناءات. منظمات حقوق الإنسان بدورها رفعت من مستوى انتقاداتها، معتبرة أن استضافة حدث عالمي بحجم كأس العالم تتطلب تسهيل حركة الجماهير وضمان المساواة في فرص الحضور، لأن نجاح البطولة لا يقاس فقط بعدد الملاعب الحديثة أو حجم الاستثمارات الضخمة، بل بقدرتها على جمع العالم في مكان واحد تحت راية الرياضة. وفي محاولة لمعالجة الأزمة، تم الإعلان عن برامج وإجراءات لتسريع بعض طلبات التأشيرات، إلا أن هذه الخطوات لم تنجح في تبديد المخاوف، خصوصاً مع تأكيد السلطات الأمريكية أن امتلاك تذكرة المباراة لا يعني بالضرورة الحصول على تأشيرة أو ضمان الدخول إلى البلاد. كما أثارت الرسوم الإضافية المفروضة على بعض المسارات السريعة انتقادات واسعة، باعتبارها تضع أعباء مالية جديدة على المشجعين. اليوم، تجد الفيفا نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلق بصورة البطولة ومبدأ شموليتها. فمونديال كرة القدم لم يكن يوماً مجرد مباريات تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل مناسبة عالمية تحتفي بالتنوع الثقافي وتجمع الشعوب من مختلف القارات تحت سقف واحد. وعندما يصبح الوصول إلى الملاعب أكثر صعوبة من الوصول إلى منصة التتويج، فإن ذلك يطرح أسئلة مشروعة حول مستقبل البطولات العالمية في ظل القيود السياسية والإدارية المتزايدة. ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الجهات المنظمة في احتواء هذه الأزمة وضمان حضور جماهيري يليق بأكبر حدث كروي على وجه الأرض، أم أن نسخة 2026 ستُسجل في التاريخ باعتبارها البطولة التي انتصر فيها ختم التأشيرة على شغف الجماهير؟ في النهاية، قد تتمكن المنتخبات من الوصول إلى الملاعب، وقد تنطلق المباريات في موعدها، لكن كأس العالم من دون جماهيره القادمة من مختلف أنحاء العالم يفقد جزءاً كبيراً من روحه، لأن كرة القدم كانت وستبقى لعبة الشعوب قبل أن تكون بطولة للنجوم.



