الاعلام والتنمية

إشراقة الهداية

في عام الفيل، وفي شهر ربيع الأول، أشرقت على الدّنيا أنوار مولد سيّد البشريّة النّبيّ محمّد (صلّى الله عليه وعلى آله أجمعين).يوم تهلّلت فيه الوجوه بإشراقة نبيّ جاء هاديًا للورى، ومبشّرًا بالخير، وداعيًا إلى سبيل الرّشاد.وفي يوم مولده المبارك استبشر النّاس بهذا المقدم الميمون الذي حمل بشائر الخير والهداية إلى البشريّة.إنّه مولد كريم له شأن عظيم في حياة الإنسانيّة جمعاء؛ فذلك الفتى الهاشميّ غدا بعد بعثته سراجًا منيرًا لكلّ مَن أراد الاهتداء بنهجه القويم.قضى (عليه الصّلاة والسّلام) طفولته في بادية بني سعد، وكان مثالًا يُحتذى به في مكارم الأخلاق، من أمانة وصدق وحسن معاملة وعفّة ورجاحة عقل، وفي محطّات حياته دلائل كثيرة ناطقة باتّصافه بهذه الشّمائل الشّريفة.وبعد مسيرة حافلة بالفضائل، جاءت البعثة النّبويّة تتويجًا لهذه الشّخصيّة الفذّة الّتي انتشلت البشر من ظلمات الجهل إلى نور التّوحيد؛ فجاء الإسلام كالغيث المغيث للنّاس، فنظّم حياتهم وفق نظامٍ منضبط يقوم على أصولٍ سماويّة مشرّعة من لدن حكيم خبير.لقد أُرسل رحمةً للعالمين؛ فسعى بكلّ ما في وسعه لتحقيق أهداف دعوته النّبيلة الّتي استمرّت سنواتٍ في طيّ السّريّة والكتمان قبل أن تصدع بالحقّ للعيان.وقد جاهد الرّسول الكريم خير جهاد؛ ليؤدّي الأمانة ويبلّغ الرّسالة الّتي حملها فوق عاتقه، ويهدي النّاس إلى طريق الحقّ؛ فخاض معارك شرسة؛ لتكون كلمة الله هي العليا على وجه الأرض.ورغم ما واجهه من تحديات وعقبات إلّا أنّه صبر وصمد أمامها، ومضى في طريق دعوته ثابتًا لا يتزعزع.ولم تقتصر رسالته على الدّعوة فحسب، بل كان مربّيًا ومعلّمًا؛ فقد علّم الآخرين بالحوار وخاطب العقول والقلوب وراعى التّنوّع البشريّ؛ فشملت رحمته الجميع على تباين أحوالهم: صغيرهم وكبيرهم، قويّهم وضعيفهم، بل امتدّت رحمته إلى الحيوان.وبهذه الرّحمة والمعاملة الرّفيعة أسر القلوب، وصار عظيم المكانة في النّفوس؛ فلا غرو أن نجده محبوبًا بين أصحابه.قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].والسّيرة النّبويّة العطرة مليئة بالمواقف التي تترجم عمق محبّة الصّحابة الكرام لرسول الله؛ فقد ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء والاقتداء، وبلغ حبّهم له مبلغًا آثروه فيه على أنفسهم وأولادهم وأموالهم؛ فكانوا من أصدق النّاس اقتداءً به وتمثّلًا بسنّته الشّريفة في واقع الحياة.من هذا المنطلق يفرض السّؤال نفسه علينا:هل محبّتنا لرسول الله مجرّد كلمات تُردّد أم سلوك يُرى؟فالمحبّة حقيقة حيّة وسلوك قبل أن تكون قولًا، ومتى ما صدق الحبّ أثمر اتّباعًا لسنّته واقتفاءً لأثره.إنّ شخصيّة النّبيّ الكريم شخصيّة نبيلة تحمل المعاني الإنسانيّة السّامية في أبهى صورها؛ فكيف لنا أن نتجاوز هذه القيم دون أن نترجمها في تفاصيل حياتنا؟فنحن نتعلم منه كيف ندير بيوتنا، وكيف نتعامل مع الآخرين على اختلاف شرائحهم، وكيف نبني المجتمع.إنّ لبّ الاحتفاء الحقيقيّ بالمولد النّبويّ يرتكز على إحياء خُلقه وسنّته (عليه أفضل الصّلاة والسّلام) في واقعنا؛ فليكن صدقنا وأمانتنا ورحمتنا وحسن تعاملنا ترجمة عمليّة لمحبّتنا لنبيّ الأمّة.

بواسطة
الكاتبة نعيمة السّعديّة
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?