- في جلسة نقاشية بالجمعية التأريخية العمانية ووسط الباحثين والمهتمين بالشأن السياسي قدم الدكتور محمد العريمي محاضرته التي حملت عنوان "تحولات المنطقة بين التاريخ والسياسة: قراءة بين التحديات والسيناريوهات المستقبلية" في بداية المحاضرة قدم السيد نوح البوسعيدي رئيس الجمعية مقدمة استعرض فيها دور عمان في صنع السلام العالمي عبر مراحل التاريخ وافق السياسية العمانية في الماضي والحاضر بعدها القى العريمي محاضرته القيمة لتغدو بمثابة نافذة تأمل تُطل على الماضي وتفكك الحاضر وتستشرف وقائع المستقبل. حيث لم يكن حديثه مجرد عرض للوقائع، بل محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وفق رؤية تربط بين حركة التاريخ وجغرافيا السياسة وتقلبات المستقبل. مركزا على أن التاريخ مرآة للحاضر، مستهلا حديثه بتأكيد أن الحاضر السياسي في المنطقة ليس كائناً معزولاً، بل هو ابن شرعي لمسارات التاريخ. فالصراعات التي نعيشها اليوم ليست سوى امتداد لدوائر تنافست فيها القوى الغربية عبر القرون، وإن اختلفت الأدوات وتبدلت الشعارات. ومن هنا، فإن فهم الواقع لا يستقيم دون قراءة الماضي، لأن جذور الأزمة ممتدة في الذاكرة الجمعية والخرائط القديمة، وما التاريخ إلا خزانة تُخفي خلف جدرانها أسرار اللحظة الراهنة. انتقل بعدها العريمي الى التحديات الراهنة بين الانقسام والتدخل، مستعرضا تفصيل التحديات التي تواجه المنطقة، فعددها في أبعاد متشابكة؛ أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية. أبرزها استمرار بؤر النزاع المفتوحة التي تفتعل كي تستنزف الطاقات المجتمعية وعدم استغلالها بما يضمن مشاركتها في البناء، وأن هذه التدخلات الخارجية الاقتصادية والعسكرية هي التي تعيد إنتاج التبعية، فضلاً عما تشكله من تهديدات الهوية الوطنية العربية الممزقة بين الانتماءات الضيقة والولاءات العابرة للحدود. لتبدو محاضرته أقرب إلى تحذير واعٍ من غياب مشروع جامع يعصم الأمة من زيادة التشظي ويصونها من الانهيار الداخلي. لينتقل بعدها إلى السيناريوهات المستقبلية وانفتاحها على المجهول كما لم يتوقف المحاضر عند توصيف الواقع، بل دفع الحديث إلى آفاق الاستشراف للمستقبل . حيث أشار إلى احتمالات متباينة: من جهة، قد تتسع رقعة الصراعات إذا استمر غياب الرؤية الاستراتيجية؛ ومن جهة أخرى، قد تنضج ظروف تسويات إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ. كما لا يستبعد بروز قوى جديدة تصوغ موازين مختلفة. ولأن المستقبل لا يخضع لمنطق حتمي، فقد شدد على أن الوعي بالاحتمالات هو بذاته استعداد لمواجهة ما قد يأتي. ليختتم العريمي رؤيته بالتأكيد على أنّ المستقبل ليس قدراً يُنتظر، بل مسار يُصنع. وهذا لا يتأتى إلا برفع منسوب الوعي المجتمعي؛ في عمان وبقية المجتمعات العربية إذ إنّ الجماهير الواعية هي الحصن الأول في مواجهة المخططات الغربية ، وهي السند الذي يضمن للدول قدرتها على الثبات وان الحكومات يجب عليها ان تستمد قوتها من شعوبها. داعيا إلى الاستثمار في مخرجات التعليم وبما يضمن حريةالعقل والفكر والنقد، وإلى صناعة مجتمعات قادر على قراءة ومجابهة الرياح قبل هبوبها، لا الاكتفاء بملاحقة آثارها بعد وقوعها. كما ركزت المداخلات لاحقا على ضرورة العدالة الاجتماعية والاعتماد على طاقات الشعوب في بناء الأوطان وان خطر العمالة الأجنبية اكثر من نفعها وأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد ابنائها.



