
- لم يكن قيام الكيان الصهيوني مجرد حدث عابر في تاريخ المنطقة، بل كان بداية مشروع استعماري طويل الأمد يسعى لفرض واقع جديد على الأرض العربية. فمنذ اللحظة الأولى لتأسيسه، حمل هذا الكيان في جوهره عقيدة توسعية لا تعرف الاكتفاء بحدود، بل تنظر إلى نفسها كقوة ينبغي أن تبسط سيطرتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على الشرق الأوسط بأسره. إن إسرائيل لا ترى وجودها مرتبطًا بفلسطين وحدها، بل تعتبر نفسها مشروعًا ممتدًا يحق له أن يتجاوز الجغرافيا ويتغلغل في محيطه الإقليمي. لذلك تستمر سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس بشكل مكثف، محاولة طمس الهوية الفلسطينية وتحويل الأرض إلى واقع يهودي خالص. وفي المقابل، تعمل على حصار غزة وتدمير بنيتها التحتية وإضعاف قدرتها على الحياة، في مسعى واضح لإلغاء القضية الفلسطينية من أساسها. لكن الطموحات الإسرائيلية لا تقف عند البعد الجغرافي فقط، بل تتعداه إلى فرض التفوق العسكري المطلق في المنطقة. فهي تسعى لتبقى القوة الأولى التي لا ينافسها أحد، مدعومة بترسانة نووية وتكنولوجيا عسكرية متقدمة، وبغطاء سياسي واقتصادي غربي، لتضمن أن كل من يفكر في تحديها يجد نفسه عاجزًا أمام سلاح الردع الإسرائيلي. وفي موازاة ذلك، تتحرك إسرائيل بخطوات حثيثة نحو اختراق المنطقة عبر مشاريع التطبيع التي تسعى إلى تحويلها من كيان مرفوض إلى شريك "طبيعي". تعرض نفسها بوصفها مركزًا للتكنولوجيا والابتكار، وتطرح نفسها في مجالات الطاقة والمياه والاقتصاد كرقم لا يمكن تجاوزه، محاولة ربط مصالح دول عربية معها على حساب الحق الفلسطيني. وهكذا يصبح التطبيع ليس مجرد علاقات سياسية، بل أداة لاختراق البنية الاقتصادية والثقافية للمجتمعات العربية. أما في البعد الأيديولوجي، فالصهيونية الدينية لا تزال تؤمن أن مشروعها لم يكتمل، وأن السيطرة على "أرض الميعاد" ليست خيارًا سياسيًا بل واجبًا مقدسًا. ومن هنا تأتي خطورة المرحلة، إذ يتداخل الديني بالسياسي، وتتحول المطامع من مشروع سياسي إلى عقيدة مطلقة لا تقبل التنازل. إن ما يريده الكيان الصهيوني في نهاية المطاف هو أن يصبح سيد المنطقة بلا منازع، وأن يفرض نفسه كحقيقة أبدية لا تقبل الجدل، وأن يُمحى الشعب الفلسطيني من الذاكرة والوجود. لكن التاريخ يثبت أن كل مشروع استعماري مهما امتد عمره لا بد أن يواجه لحظة سقوطه، وأن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُلغى، وأن المقاومة قادرة على كسر المعادلات مهما بلغت قوة الخصم.



