تقارير وتحقيقات
أخر الأخبار

الحقيقة المؤجلة: من بغداد إلى دمشق… كيف تحوّل العرب من صُنّاع المستقبل إلى متفرجين عليه؟

اقرأ في هذا المقال
  • لم تكن العواصم العربية، وفي مقدمتها بغداد ودمشق، مجرد مدن عابرة في مسار التاريخ، بل كانت في لحظة من اللحظات قلب العالم النابض بالمعرفة والتأثير. هناك، حيث كانت الحضارة تُصنع لا تُستهلك، وحيث كان العرب يكتبون فصولاً من التقدم الإنساني لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم، تشكلت صورة مختلفة تمامًا عمّا نراه الآن. في بغداد، التي كانت عاصمة الخلافة العباسية، لم يكن “بيت الحكمة” مجرد مركز علمي، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا أعاد تعريف مفهوم المعرفة. تُرجمت فيه علوم الحضارات السابقة، من اليونان إلى الهند، ثم أُعيد إنتاجها وتطويرها بروح نقدية وابتكارية. لم يكن العرب مجرد ناقلين للمعرفة، بل كانوا صُنّاعها الحقيقيين. في هذا السياق، برزت أسماء مثل الخوارزمي الذي وضع أسس علم الجبر، وابن سينا الذي أصبح مرجعًا عالميًا في الطب لقرون، لتتحول إنجازاتهم إلى جسور عبرت منها أوروبا نحو نهضتها. أما دمشق، فكانت أكثر من مجرد عاصمة سياسية؛ كانت نموذجًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين القوة السياسية والتنوع الثقافي والانفتاح الاجتماعي. في العهد الأموي، تحولت المدينة إلى مركز إدارة لإمبراطورية واسعة، وشهدت ازدهارًا عمرانيًا وفكريًا جعلها نقطة التقاء بين الشرق والغرب. لم تكن دمشق مجرد مدينة تاريخية، بل كانت فكرة… فكرة التوازن بين السلطة والمعرفة، وبين الهوية والانفتاح. وفي سياق الحديث عن المراكز العربية التي لعبت دورًا محوريًا في التاريخ، لا يمكن إغفال تجربة سلطنة عُمان التي قدمت نموذجًا مختلفًا في التأثير الحضاري. فمنذ العصور القديمة، برزت عُمان كقوة بحرية وتجارية امتدت علاقاتها من سواحل شرق أفريقيا إلى الهند والصين، وأسهمت في ربط طرق التجارة العالمية، ونقل الثقافات والسلع والأفكار بين الشرق والغرب. لم يكن الحضور العُماني مجرد نشاط تجاري، بل كان جزءًا من منظومة حضارية قائمة على الانفتاح والتفاعل. وفي مراحل لاحقة، لعب العُمانيون دورًا مهمًا في نشر الإسلام والتبادل الثقافي عبر المحيط الهندي، وأسّسوا حضورًا مؤثرًا في مناطق مثل زنجبار، ما يعكس قدرة هذه الدولة على تجاوز حدودها الجغرافية وصناعة امتداد حضاري واسع. ومع قيام الدولة الحديثة، وخصوصًا في عهد السلطان قابوس بن سعيد، دخلت عُمان مرحلة جديدة من البناء والتحديث، قائمة على التوازن بين الأصالة والانفتاح، ما جعلها نموذجًا للاستقرار والتنمية في المنطقة. لكن هذه الصورة المضيئة، سواء في بغداد أو دمشق أو عُمان، لم تستمر بالزخم نفسه في كل المراحل. مع مرور الزمن، بدأت ملامح التراجع تتشكل تدريجيًا. عوامل متعددة تداخلت في هذا التحول، من الانقسامات الداخلية، إلى التدخلات الخارجية، مرورًا بتراجع الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، ما أدى إلى انحسار الدور العربي في المشهد العالمي. لم يكن الانحدار مفاجئًا، بل جاء كحصيلة تراكمات طويلة لم يتم التعامل معها بجدية كافية. اليوم، يبدو المشهد مختلفًا. العالم يتغير بسرعة، وموازين القوى لم تعد ثابتة كما كانت. هناك تحولات عميقة تعيد تشكيل النظام الدولي، وتفتح الباب أمام قوى جديدة للظهور. في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الدول العربية، رغم كل التحديات، ما تزال تمتلك عناصر قوة حقيقية. العراق، بإرثه التاريخي وإمكاناته الاقتصادية، وسوريا، بثقلها الحضاري وموقعها الاستراتيجي، إلى جانب تجارب مستقرة مثل عُمان، تمثل نماذج يمكن البناء عليها في أي مشروع نهضوي جديد. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالماضي، بل بالمستقبل. هل يمكن للعرب أن يعودوا إلى موقع التأثير؟ الإجابة لا تكمن في استحضار الأمجاد، بل في القدرة على التعلم من التجربة. العالم اليوم لا ينتظر أحدًا، ومن لا يواكب التحولات يُترك خلفها. لذلك، فإن استعادة الدور العربي تتطلب إعادة بناء شاملة، تبدأ من التعليم، وتمر عبر دعم الابتكار، ولا تنتهي عند تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي. الإعلام أيضًا يلعب دورًا محوريًا في هذه المعادلة، ليس فقط كوسيلة نقل، بل كأداة تشكيل وعي وصناعة سردية جديدة تعكس واقعًا مختلفًا وطموحًا أكبر. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل في الفكرة، وفي القدرة على التأثير. بين بغداد ودمشق ومسقط، تختبئ قصة حضارة لم تكن يومًا هامشية، بل كانت في قلب العالم. “الحقيقة المؤجلة” ليست فقط في ما حدث، بل في ما لم يُفهم بعد. فالعرب لم يفقدوا القدرة على التأثير، لكنهم فقدوا المسار الذي يقودهم إليه. وربما يكون التحدي الأكبر اليوم، ليس في استعادة الماضي، بل في إعادة اكتشاف الطريق نحو المستقبل.
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?