- في مشهد يعكس التلاقي بين الوعي البيئي والعمل الميداني، تزامناً مع الاحتفال بـ يوم كوكب الأرض الذي يصادف الثاني والعشرين من أبريل من كل عام، استقبلت المديرية العامة للبيئة بمحافظة ظفار مجموعة من طالبات “الصف الأخضر” بمدرسة السعادة للتعليم الأساسي (بنات)، ضمن برنامج توعوي يهدف إلى تعزيز الثقافة البيئية لدى النشء وترسيخ مفاهيم الاستدامة في وجدان الأجيال القادمة. وتأتي هذه المبادرة في إطار الاحتفاء بشعار هذا العام “قوتنا كوكبنا”، الذي يحمل في مضمونه رسالة عالمية تدعو إلى تكاتف الجهود من أجل حماية الأرض وصون مواردها الطبيعية، في ظل التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ والتدهور البيئي. ولم تكن هذه الزيارة مجرد نشاط مدرسي تقليدي، بل شكّلت تجربة تعليمية متكاملة جمعت بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، بما يعزز إدراك الطالبات لدورهن في الحفاظ على البيئة. وخلال الزيارة، قدم المختصون في المديرية محاضرة توعوية شاملة، ركزت على الربط بين الجهود المحلية التي تبذلها هيئة البيئة في محافظة ظفار، والأهداف العالمية للتنمية المستدامة، حيث تم تسليط الضوء على المشاريع البيئية التي تنفذها المديرية في سبيل حماية الغطاء النباتي والحفاظ على التوازن البيئي. وشملت هذه المشاريع حملات غرس الأشجار المحلية، ونثر بذور النباتات البرية، إلى جانب تنفيذ برامج الاستزراع في مسورات الحزام الأخضر المنتشرة على الشريط الجبلي، وهي مبادرات تسهم في تعزيز التنوع البيولوجي والحد من آثار التصحر. كما استعرضت المحاضرة الجهود المبذولة في مجال صيانة الأشجار، من خلال حملات التقليم الدورية، إلى جانب مكافحة النباتات الغازية والحشرات الضارة التي تهدد النظم البيئية المحلية. ولم تقتصر الجهود على المعالجة، بل امتدت إلى الوقاية والتخطيط طويل الأمد، عبر إنشاء حدائق متخصصة بالأشجار البرية، مثل حدائق أشجار اللبان والتبلدي، التي تمثل نماذج حية للحفاظ على الإرث الطبيعي الفريد الذي تزخر به محافظة ظفار. وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها سلطنة عمان إلى تحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2050، وهو هدف استراتيجي يعكس التزام السلطنة بالمساهمة الفاعلة في الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي. وتُعد هذه المبادرات البيئية جزءاً من منظومة وطنية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، بما يضمن استدامتها للأجيال المقبلة. وفي إطار الجولة، زارت الطالبات مشتل المديرية، حيث أتيحت لهن الفرصة للتعرف عن قرب على طرق إكثار الأشجار البرية، بدءاً من جمع البذور، مروراً بعمليات الزراعة والرعاية، وصولاً إلى نقل الشتلات إلى مواقعها الطبيعية. وقد شكلت هذه التجربة الميدانية محطة مهمة في تعزيز الفهم العملي لأهمية الغطاء النباتي ودوره في حماية البيئة، فضلاً عن غرس قيم المسؤولية البيئية في نفوس الطالبات. وتبرز أهمية هذه الأنشطة التوعوية في كونها تستهدف فئة عمرية حساسة، قادرة على التفاعل والتأثير في محيطها الاجتماعي، ما يجعلها شريكاً أساسياً في نشر الوعي البيئي. فالاستثمار في تعليم الأجيال الجديدة لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتعداه إلى بناء سلوكيات إيجابية تسهم في حماية البيئة على المدى الطويل. وتؤكد هذه المبادرة أن العمل البيئي لم يعد مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والأفراد. كما تعكس في الوقت ذاته الدور الحيوي الذي تلعبه المؤسسات التعليمية في إعداد جيل واعٍ قادر على مواجهة التحديات البيئية، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات بيئية متسارعة، تظل مثل هذه المبادرات نموذجاً يُحتذى به في تعزيز الوعي البيئي، وربط الأجيال الجديدة بقضايا كوكبهم. فحماية الأرض تبدأ بخطوة، وهذه الخطوة قد تكون في زيارة تعليمية، أو شجرة تُزرع، أو فكرة تُغرس في عقل طفل… لكنها في النهاية تصنع فرقاً حقيقياً في مستقبل كوكبنا



