رياضة
أخر الأخبار

عُمان تُشعل شراع الإلهام: انطلاق أكبر بطولة عالمية للإبحار الشراعي للأشخاص ذوي الإعاقة 2025

اقرأ في هذا المقال
  • في مشهدٍ استثنائي يختلط فيه الشغف بقوة الإرادة، وترفرف فيه رايات 37 دولة على شواطئ المصنعة، أعلنت سلطنة عُمان انطلاق النسخة الأولى من بطولة العالم للإبحار الشراعي للأشخاص ذوي الإعاقة 2025، في حدثٍ تاريخي يؤسس لمرحلة جديدة في مسيرة الرياضة البارالمبية عالميًا. احتضن منتجع بارسيلو المصنعة حفل الافتتاح الرسمي وسط حضور رفيع المستوى يتقدمه صاحب السمو السيد عزان بن قيس آل سعيد، رئيس اللجنة الأولمبية العُمانية، وعدد من كبار المسؤولين المحليين والدوليين، الذين شهدوا رفع علم البطولة إيذانًا بانطلاق منافسات تُعد الأكبر من نوعها في تاريخ هذه الرياضة. جاء الحفل مشبعًا برمزية التمكين والشمولية، حيث وقف العالم على شاطئ واحد، يشهد لحظة يمتزج فيها الأمل بالإنجاز، وتتجدد فيها رسالة الرياضة كجسر يوحّد الشعوب ويحتضن الإنسان باختلاف قدراته. وتجلّى ذلك في الكلمة التي ألقاها ديفيد جراهام، الرئيس التنفيذي للاتحاد الدولي للإبحار الشراعي، مؤكدًا أن ما يحدث في عُمان ليس مجرد تنظيم بطولة، بل صناعة مستقبلٍ أكثر عدلاً يتيح للرياضيين من مختلف القدرات الفرصة للظهور والتألق على منصة عالمية واحدة. ومع مشاركة 155 بحّارًا وبحّارة، يسجّل هذا الحدث حضورًا قياسيًا يمثل نقطة تحول في الاهتمام الدولي برياضة الإبحار للأشخاص ذوي الإعاقة. وفي كلمته الترحيبية، عبّر الدكتور خميس بن سالم الجابري، الرئيس التنفيذي لعُمان للإبحار، عن اعتزازه باستضافة هذا الحدث الاستثنائي، موضحًا أن البطولة تأتي تتويجًا لمسيرة بدأت عام 2019 مع إطلاق برنامج "أبحر بحرّية"، الذي حمل رؤية تؤكد أن البحر يسع الجميع، وأن الإرادة قادرة على تحريك الشراع مهما كانت التحديات. اليوم، يتحول هذا البرنامج إلى قصة نجاح عُمانية تُروى للعالم، وتضع السلطنة في صدارة الدول الداعمة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة عبر الرياضة. ولم يكن البعد الإنساني وحده حاضرًا في أجندة هذا الحدث العالمي؛ بل ارتبط أيضًا ببعدٍ سياحي وثقافي يعزّز مكانة عُمان كوجهة رائدة في الرياضات البحرية والسياحة الرياضية. فقد أكّد هيثم بن محمد الغساني، ممثل وزارة التراث والسياحة، أن استضافة البطولة تمثّل نافذة لتعريف العالم بتنوع المقومات التراثية والسياحية للسلطنة، وإتاحة الفرصة للوفود لعيش تجارب أصيلة تعكس عمق الهوية العُمانية. وترافق البطولة برنامج متكامل يشمل زيارات إلى مواقع تراثية وسياحية في محافظة جنوب الباطنة وغيرها من المحافظات. وتتميز البطولة بمشاركاتٍ واسعة من أربع قارات، حيث حضرت القارة الآسيوية بتمثيل متنوع من دول الخليج والشرق الأقصى والهند، فيما شكّلت أوروبا حضورًا لافتًا عبر الدول ذات التاريخ العريق في الإبحار. كما جاءت مشاركات من الأميركيتين وأوقيانوسيا لتجعل من البطولة منصة عالمية حقيقية تستعرض تنوّع الخبرات والثقافات، وتؤكد اتساع قاعدة هذه الرياضة وشموليتها المتنامية. وفي الجانب الرياضي، تُقام المنافسات عبر أربع فئات من القوارب المصنّفة دوليًا، ما يمنح جميع الرياضيين الفرصة للتنافس في بيئة عادلة تجمع بين المصنفين بارالمبيًا وغير المصنفين على حد سواء. وتشمل الفئات: قوارب آر.أس فنتشر المخصصة للفرق البارالمبية، وقوارب فار إيست لفئة المكفوفين، وقوارب هانسا 303 المفتوحة للجميع، إضافة إلى قوارب إلكا 6 لفئة الأولمبياد الخاص. وهذا التنوع يعكس تصميم المنظمين على توفير منصة تنافسية تلبي الاحتياجات المختلفة وتضمن تكافؤ الفرص. وعلى مستوى التمثيل العُماني، يشارك سبعة من أبطال برنامج "أبحر بحرّية" الذين يحملون طموحات كبيرة لرفع علم الوطن على منصات التتويج. يبرز من بينهم الفريق المشارك في فئة آر.أس فنتشر بقيادة حسن اللواتي وزاهر العتبي، والفريق الآخر المكوّن من عادل السيابي والغالية الجابرية، إلى جانب ثلاثة بحّارة شباب يخوضون منافسات الهانسا 303. وتُعد هذه المشاركة نتاجًا لعملٍ منهجي وجهودٍ متواصلة وضعتها عُمان للإبحار لصقل المواهب الوطنية وتعزيز حضورها عالميًا. وقبيل انطلاق البطولة، شهدت المصنعة إقامة برنامج تدريبي تطويري للدول الناشئة، نظمه الاتحاد الدولي للإبحار بهدف رفع كفاءة المدربين وتطوير قدرات البحّارة. واستمر البرنامج ثلاثة أيام شملت ورشًا نظرية وتطبيقية، ما يعكس اهتمامًا عالميًا يتجاوز حدود المنافسة إلى بناء قاعدة رياضية قوية ومستدامة في هذا المجال. ولا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون الإشارة إلى تضافر الجهود الوطنية التي تقف خلفه. فقد تم تنظيم البطولة تحت مظلة الاتحاد الدولي للإبحار وبدعم من اللجنة الأولمبية العُمانية، بالتعاون مع عدد من الوزارات والجهات الحكومية، إضافة إلى رعاة من القطاعين العام والخاص، ليجسد ذلك نموذجًا لشراكة وطنية ناجحة تسهم في إبراز السلطنة عالميًا. كما تستمر مدرسة المصنعة للإبحار الشراعي في لعب دور ريادي بوصفها مركزًا آسيويًا معتمدًا عالي الأداء، ما يعزز دورها كمحور تدريبي قاري يسهم في تطوير هذه الرياضة. إن استضافة سلطنة عُمان للنسخة الأولى من بطولة العالم للإبحار الشراعي للأشخاص ذوي الإعاقة ليست حدثًا رياضيًا فحسب، بل رسالة حضارية تتقاطع فيها قيم الإنسانية مع رؤية وطنية تنظر إلى الإنسان بوصفه محور التنمية. إنها دعوة للعالم للتأمل في قدرة الرياضة على تجاوز الفروق، وصناعة الأمل، وإبراز الطاقة الكامنة في كل فرد مهما كانت التحديات. ومع انطلاق هذه البطولة، تكتب عُمان فصلاً جديدًا من فصول التمكين والشمولية، وتفتح شراعها لرياح المستقبل، حيث تتلاقى العزيمة مع الموج لتصنع قصةً يستلهم منها العالم معاني الإرادة والإنجاز. هكذا تبدأ الحكاية، وهكذا تمضي السلطنة نحو آفاقٍ أرحب، تُرسّخ مكانتها كوجهة عالمية للرياضات البحرية، وموطنٍ لصناعة الأمل، وملتقى يجمع العالم تحت راية الرياضة الإنسانية.
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?