- قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى ساخرًا أو أقرب إلى المفارقة: كيف يمكن صنع الإنترنت من دون وجود إنترنت؟ لكن الحقيقة أن هذا السؤال يكشف عن عمق تاريخي وتقني قلّما نلتفت إليه، ويأخذنا إلى بداية عصر الثورة الرقمية عندما لم تكن شبكة الإنترنت سوى فكرة جريئة في عقول بعض العلماء والمهندسين. في ستينيات القرن الماضي، لم يكن هناك شيء اسمه إنترنت، بل كانت الحواسيب ضخمة ومعزولة، وتعمل بشكل منفرد في الجامعات أو مراكز الأبحاث. لم يكن من الممكن أن تتواصل هذه الحواسيب بسهولة، وكانت الحاجة ملحة لربط الأجهزة ببعضها من أجل تبادل البيانات. فبدأت المحاولات الأولى عبر شبكات مغلقة باستخدام الخطوط الهاتفية. وقد مثّل مشروع "ARPANET" الذي أطلقته وزارة الدفاع الأمريكية في عام 1969 الانطلاقة العملية لما سيصبح لاحقًا شبكة الإنترنت، إذ تمكّن من ربط عدد محدود من الحواسيب بين جامعات أمريكية مرموقة. الخطوة الأهم جاءت من خلال تطوير بروتوكولات خاصة بالتواصل بين الأجهزة، كان أبرزها "TCP/IP"، وهو ما يمكن اعتباره الهيكل العصبي الذي ما زال يدير حركة الإنترنت حتى اليوم. المفارقة أن هذه البرمجيات لم يتم تطويرها عبر شبكة، بل تمت كتابتها وتجريبها في بيئات محلية، على حواسيب متصلة بأسلاك، وبتجارب يدوية خالصة. كل جزء من الإنترنت كما نعرفه اليوم، كان يُبنى قطعةً قطعة، عبر برمجة وتجارب على أنظمة مغلقة، ثم ربطها تدريجيًا، حتى وُلدت شبكة عالمية باتت تُعرف بـ"الإنترنت"، أي شبكة الشبكات. لم يُستخدم الإنترنت في صنع الإنترنت، بل كانت أدوات بسيطة، وعقول مبدعة، وصبر علمي، هو ما خلق هذه المعجزة التقنية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من حياة مليارات البشر. الإنترنت اليوم لم يعد مجرّد وسيلة اتصال، بل أصبح عالمًا موازيًا يختصر المسافات ويصنع الاقتصاد والمعرفة والسلطة. ومع كل هذا التقدم، تبقى بداياته درسًا في الإبداع البشري: أن الأفكار العظيمة تُولد في العزلة، وتكبر قبل أن يوجد لها طريق جاهز. هكذا صُنع الإنترنت… من دون إنترنت.



