حين تتحول كاميرا الهاتف من توثيق الحقيقة… إلى التشهير بالناس

انتشرت مؤخراً ظاهرة خطيرة تحولت فيها كاميرا الهاتف من أداة لتوثيق اللحظات إلى سلاح لانتهاك الخصوصية وتتبع العورات، ليصبح المجتمع أمام أزمة أخلاقية حقيقية. وما نراه اليوم من تداول عشوائي لمقاطع التصوير في الشوارع تحت مسمى «التريند» ليس مجرد سلوك عابر، بل هو عبث يستوجب الوقوف عنده، ليأتي بيان الأزهر الشريف الأخير حاسماً ومؤكداً على خطورة هذا الوضع وما يحمله من إشاعة للفاحشة وتجسس على حرمات الناس.
فالأصل الثابت الذي أكد عليه البيان هو الستر وحفظ كرامة الإنسان، وأن ملاحقة عثرات البشر وتصويرهم في لحظات ضعفهم وغفلتهم أمر مرفوض شرعاً وأخلاقياً، وألا نتخذ من أخطاء الآخرين مادة رخيصة للتشهير والتجريح. صحيح أن الشريعة والقانون أباحا التصوير استثناءً، ولكن بضوابط صارمة لا تحتمل التلاعب؛ كحفظ حق أو دفع ضرر، وبشرط أساسي لا غنى عنه: أن تُسلّم المادة للجهات المعنية حصراً، لا أن تُلقى في الساحات العامة لتنهش في سمعة البشر.
إن السكوت على هذه الممارسات أو التساهل مع مروجيها يفتح الباب أمام فوضى أخلاقية لا تحمد عقباها، حيث تتحول الكاميرات إلى خناجر مسلطة على رقاب الآمنين، وتغيب الطمأنينة عن الطرقات، لتصبح كرامة الإنسان أرخص ما يباع ويشترى في سوق المشاهدات.
ولأن استمرار هذه الظاهرة يهدد خصوصية الناس وكرامتهم، فإن مواجهتها لم تعد أمرًا يمكن تأجيله، بل أصبحت مسؤولية تتطلب وعيًا مجتمعيًا، وتطبيقًا حازمًا للضوابط التي تمنع تحويل أخطاء الناس وعثراتهم إلى مادة للتشهير والانتشار. فالحل ليس في منع التصوير، وإنما في وضع حدٍ واضح لاستخدامه في انتهاك حرمات الآخرين، وتجريم نشر ما يسيء إليهم، ومحاسبة من يتخذ من كرامة الناس طريقًا إلى المشاهدة والشهرة. فحين يدرك الجميع أن للكاميرا حدودًا، وللنشر مسؤولية، ولحياة الناس حرمة، يمكن أن تعود هذه الوسيلة إلى غايتها الصحيحة: توثيق الحقيقة، لا صناعة الفضيحة.



