تقارير وتحقيقات

بنزين الأغنياء لجيوب الفقراء… كيف أصبح السوري يدفع سعرًا عالميًا براتب منهك؟

لم يعد ارتفاع سعر البنزين في سوريا مجرد رقم جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الأرقام التي يلاحقها المواطن كل يوم، بل أصبح عنوانًا واضحًا لأزمة أعمق تتعلق بالفارق الهائل بين كلفة المعيشة وبين قدرة السوري على الدفع. فعندما يصل سعر ليتر البنزين إلى نحو 1.4 دولار تقريبًا، بينما تبقى الرواتب والدخول بعيدة جدًا عن المستويات التي تسمح بتحمل هذا السعر، فإن المشكلة لا تعود في التسعيرة وحدها، بل في كامل المعادلة الاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري.

المفارقة أن السوري يجد نفسه اليوم يدفع ثمن الوقود بسعر يقترب من أسعار دول ذات دخول أعلى بكثير، بل ويتجاوز أسعار البنزين في عدد من الدول العربية المنتجة للنفط. وفي الوقت الذي يدور فيه سعر الليتر في بعض دول الخليج حول نصف دولار أو يزيد قليلًا، يجد المواطن السوري نفسه أمام سعر أعلى، لكن بدخل أقل بكثير، وهو ما يجعل المقارنة أكثر قسوة عندما ننظر إلى القوة الشرائية لا إلى الرقم المجرد فقط.

المواطن لا يشتري البنزين للرفاهية، ولا يملأ خزان سيارته من باب الترف، بل لأنه يحتاج إلى الوصول إلى عمله، ونقل أطفاله، وقضاء حاجاته اليومية، وتشغيل أعماله الصغيرة، والتنقل بين المدن والأحياء. وكل زيادة في سعر الوقود تنتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أجور النقل، وأسعار المواد الغذائية، وتكاليف الشحن، والخدمات، وحتى أسعار أبسط الاحتياجات اليومية.

ولهذا فإن فاتورة البنزين لا تُدفع عند محطة الوقود فقط، بل يدفعها السوري في الخبز، والخضار، والملابس، والمواصلات، وفي كل سلعة تحتاج إلى النقل، وفي كل خدمة ترتبط بالحركة والإنتاج.

يمكن تفهم أن للدولة اعتبارات اقتصادية تتعلق بالاستيراد وكلفة المشتقات النفطية والعجز والدعم ومحاولات ضبط الإنفاق، لكن المواطن أيضًا لديه معادلة لا يمكن تجاهلها: راتب محدود، أسعار متصاعدة، وتكاليف معيشة ترتفع بوتيرة أسرع من دخله.

وإذا كانت سوريا تتجه إلى تحرير أسعار بعض السلع أو تقريبها من الأسعار العالمية، فإن المنطق الاقتصادي نفسه يفرض أن تترافق هذه الخطوات مع رفع فعلي للدخول، وتحسين الأجور، وخلق فرص العمل، ودعم الإنتاج، وتحريك السوق، لأن نقل الأسعار وحدها إلى المستوى العالمي مع إبقاء الدخل عند مستويات متدنية يصنع فجوة أكبر بين المواطن والدولة، ولا يصنع اقتصادًا متوازنًا.

الاقتصاد لا يُقاس فقط بسعر السلعة، بل بقدرة الناس على شرائها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم أصبح سعر ليتر البنزين؟ بل كم يحتاج المواطن السوري من ساعات العمل حتى يستطيع شراء ليتر واحد؟

هنا تظهر الفجوة الحقيقية.

وحين يحتاج المواطن إلى اقتطاع جزء كبير من دخله فقط لتأمين مواصلاته أو تشغيل سيارته، فإن الحديث لم يعد عن تسعيرة وقود، بل عن عبء اقتصادي يومي يضغط على الأسرة السورية وعلى أصحاب المهن الصغيرة وعلى كل من يعتمد في عمله على النقل والحركة.

الأخطر أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى محصورًا في محطة البنزين، بل ينتقل إلى الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات والنقل، فتزيد كلفة الإنتاج، ويرتفع سعر المنتج النهائي، ويجد المواطن نفسه يدفع الفاتورة مرة أخرى عند شراء احتياجاته الأساسية.

وبهذا يدخل الاقتصاد في حلقة صعبة: وقود أغلى، نقل أغلى، إنتاج أغلى، سلع أغلى، بينما دخل المواطن لا يتحرك بالسرعة نفسها.

السوريون لا يطالبون باقتصاد خارج منطق السوق، ولا يطلبون أن تكون أسعار الوقود منفصلة عن الواقع الاقتصادي، لكن من حقهم أن يسألوا: إذا أصبحت الأسعار عالمية، فمتى تصبح الرواتب أيضًا أقرب إلى المستوى الذي يسمح بتحمل هذه الأسعار؟

ومن حق المواطن كذلك أن يعرف إلى أين تقود هذه السياسات الاقتصادية، وما الخطة التي ستعيد التوازن بين الأجور وتكاليف الحياة، لأن الإصلاح الاقتصادي الذي لا ينعكس إيجابًا على حياة الناس سيبقى بالنسبة لهم مجرد أرقام وقرارات يدفعون ثمنها.

ورأيي الصريح أن فرض أسعار تقترب من المستويات العالمية على مواطن يعيش بدخل لا يقترب من المستوى العالمي هو معادلة غير عادلة ولا يمكن الدفاع عنها طويلًا. لا يمكن أن نطالب السوري بأن يدفع سعر البنزين كما لو كان دخله كدخل مواطن في اقتصاد قوي، بينما هو ما زال يكافح لتغطية أبسط متطلبات الحياة. الإصلاح الاقتصادي مطلوب، وإعادة هيكلة الدعم قد تكون ضرورة في مرحلة ما، لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن وحده. يبدأ من الإنتاج، والاستثمار، ورفع الدخل، وتحسين فرص العمل، ومحاربة الهدر والفساد، ثم تأتي بعد ذلك القرارات التي تمس حياة الناس. أما أن تكون الأسعار عالمية والرواتب محلية ومنهكة، فهذه ليست معادلة اقتصادية متوازنة، بل فاتورة يدفعها المواطن كل يوم من قدرته على العيش.

بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?