الاعلام والتنمية

حين يغيب الأب… من يسند البيت؟

سلطان الفارسي

في بعض البيوت، لا يُعلن الغياب عن نفسه بصوتٍ عالٍ. يكفي أن يبقى كرسي الأب فارغًا، وأن تمرّ لحظةٌ اعتاد فيها أن يتكلم فلا يأتي صوته، ليفهم الجميع أن شيئًا كبيرًا قد انكسر. عندها لا يفقد البيت شخصًا واحدًا فحسب؛ بل يفقد دفئًا كان يملأ زواياه، وطمأنينةً كانت تسكن قلوب أهله، وسندًا لم يعرفوا مقدار حاجتهم إليه إلا بعد رحيله.

غياب الأب يترك أسئلةً لا تجد جوابًا. من سيطمئن علينا حين نتأخر؟ من سنلجأ إليه إذا ضاقت بنا الحياة؟ من سيقف أمام خوفنا، ويخفف عنا ثقل الأيام؟ قد تمضي الأسرة في واجباتها، وقد يبتسم أفرادها أمام الناس، لكن في داخل كل واحدٍ منهم حكاية اشتياق لا تُقال، ووجع يعود كلما مرّوا بمكانٍ كان الأب يجلس فيه، أو سمعوا كلمةً كان يرددها، أو تمنّوا لو كان حاضرًا في موقفٍ يحتاجون فيه إلى رأيه.

ومع مرور الأيام، تتغير تفاصيل الحياة. يصبح البيت أهدأ مما كان، وتغدو المناسبات ناقصة مهما اجتمع فيها الأحبة. هناك مقعدٌ يذكّرهم به، وبابٌ كانوا ينتظرون دخوله، وهاتفٌ قد يمدّ أحد الأبناء يده إليه بدافع العادة، ثم يتذكر أن الرقم الذي يشتاق إلى الاتصال به لن يجيب. حتى الأشياء البسيطة تكتسب معنىً آخر؛ فثوبه، ومفاتيحه، وصوته في تسجيلٍ قديم، تتحول إلى بقايا عزيزة يخافون أن يلمسوها، ويخافون أكثر أن ينسوها.

ورحيل الأب لا يأخذ معه حضوره وحده، بل يترك أبناءه أمام مسؤولياتٍ لم يستعدوا لها. قد يجد الابن الأكبر نفسه مطالبًا بأن يكون قويًا، حتى حين يكون هو أكثرهم حاجةً إلى من يسنده. وقد تحاول الابنة إخفاء حزنها كي لا تزيد همّ أمها، بينما ينتظر الصغار عودة أبٍ لا يعرفون كيف يشرحون غيابه. وهكذا يتوزع الحزن بين أفراد الأسرة؛ كلٌّ يحمل نصيبه بصمت، ويخفي دموعه عن الآخرين، ظنًا منه أنه بذلك يحميهم.

لكن الفقد لا يعني أن على الأبناء أن ينسوا، ولا أن يتظاهروا بأنهم تجاوزوا الحزن. فبعض الغياب لا يُتجاوز، بل نتعلم كيف نعيش معه. نواصل أيامنا وفي داخلنا مكانٌ لا يشغله أحد، ونفرح أحيانًا ثم نتذكر من تمنّينا وجوده بيننا، فنشعر أن فرحتنا ينقصها وجهٌ عزيز. ومع ذلك، يبقى الوفاء للأب في الدعاء له، وحفظ ذكراه، والتمسك بما زرعه في أبنائه من أخلاقٍ وقيم، ومواصلة الطريق بما يليق بتعبه ومحبتِه.

وفي وسط هذا الغياب، تقف الأم أمام مسؤوليةٍ عظيمة. هي التي تخفي حزنها كي لا يشعر أبناؤها بأن البيت قد فقد أمانه كله، وتجمعهم حين يتفرق بهم الألم، وتطمئنهم وهي التي تحتاج إلى من يطمئنها. تتابع شؤونهم، وتحمل همومهم، وتواجه ما كان الأب يواجهه معهم، وتحاول أن تمنحهم الحنان والقوة في وقتٍ واحد. تصبح لهم الأم التي تشدّهم إلى قلبها، والأب الذي يقف إلى جانبهم، يرشدهم ويسعى لتأمين احتياجاتهم ويحميهم من قسوة الأيام.

ولا يعني ذلك أن الأم تستطيع أن تمحو مكان الأب أو تعوّض غيابه؛ فلكلٍّ منهما مكانه الذي لا يشبهه أحد. لكنها تحاول، بما لديها من صبرٍ ومحبة، أن تسند البيت من جهتين، وأن تكون لأبنائها الأم والأب معًا. وربما لا تخبرهم كم تعبت، ولا كم مرة بكت وحدها، لكنها تواصل الوقوف من أجلهم، كأن قلبها يقول لهم في كل يوم: «ما زلت هنا… ولن أترككم وحدكم».

رحم الله كل أبٍ غاب عن بيته، وبقي حاضرًا في قلوب أهله وذكرياتهم، وأعان كل أمٍ تحمل مسؤولية الأسرة بعده، وجعل أبناءها سندًا لها كما كانت هي سندًا لهم. فحين يغيب الأب، لا يُطلب من الأسرة أن تنسى وجعها؛ يكفي أن تتكاتف، وأن تحفظ المحبة التي تركها، وأن تدرك أن وراء كل بيتٍ فقد أباه أمًّا تقاتل بصمت كي يبقى ذلك البيت واقفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?