رحلوا… ولم يغادروا

بقلم د. آمنه ال عبدالسلام _ سلطنة عمان
ليس كلُّ رحيلٍ غيابًا، ولا كلُّ غيابٍ نهاية.
ثمّة أناسٌ يعبرون حياتنا كما يعبر الضوء نافذةً عتيقة؛ لا يستقرّون فيها، لكنهم يتركون على جدرانها شيئًا من دفئهم. يمضون، وتبقى الأشياء بعدهم على هيئةٍ أخرى؛ المكان هو المكان، والطريق هو الطريق، والأبواب هي ذاتها، غير أن شيئًا خفيًّا فينا يكون قد تبدّل إلى الأبد.
يرحلون، فلا ينقص العالم شيءٌ في ظاهره، لكن عالمنا نحن يفتقد شيئًا لا يُرى.
رحلوا… ولم يغادروا.
لعلّ الرحيل الحقيقي ليس أن يغيب الوجه عن العين، وإنما أن يغيب أثره عن الروح. وما أكثر الذين غابوا عن أعيننا، ثم أقاموا فينا إقامةً لا يملك الزمن عليها سلطانًا. كلما ظننا أننا بلغنا آخر الحنين، أعادهم تفصيل صغير إلى الواجهة: مقعدٌ خالٍ، عطرٌ عابر، أغنيةٌ قديمة، أو جملةٌ قيلت ذات مساء، ولم نكن نعرف يومها أنها ستصبح ذات يومٍ أثرًا من آثار الفقد.
الذاكرة لا تحفظ الذين أحببناهم كما كانوا تمامًا؛ إنها تعيد خلقهم فينا.
تنتزعهم من تعاقب الأيام، ومن هشاشة اللحظة، ومن تفاصيل العمر التي كانت تأخذهم منّا قليلًا قليلًا، ثم تمنحهم مقامًا آخر لا تطاله الشيخوخة. هناك، في الذاكرة، لا تتغير ملامحهم، ولا يخفت صوتهم، ولا تحتاج ابتسامتهم إلى مناسبة كي تعود.
هناك، يظل الذين رحلوا أحياءً بطريقةٍ لا تشبه الحياة.
ولعلّ أقسى ما في الرحيل أننا لا نفقد الآخر وحده؛ نفقد معه ذلك الجزء من أنفسنا الذي كان لا يظهر إلا في حضرته.
فثمة أشخاص لا يكونون مجرد أشخاص في حياتنا؛ يكونون لغةً نتحدث بها، وطمأنينةً نعود إليها، ونسخةً من ذواتنا لا نعرفها إلا بقربهم. فإذا غابوا، لم نجد أنفسنا كما تركناها؛ كأن شيئًا من ملامحنا قد ارتحل معهم، وكأن القلب بعدهم يتعلم، للمرة الأولى، كيف يحمل نقصه ويمضي.
لهذا لا يمرّ الفقد.
نحن فقط نتعلم أن نحيا حوله.
نطوي أيامنا فوقه كما تُطوى صفحةٌ قديمة، لكن الحبر لا يختفي. نتقدم في العمر، وتتسع الحياة من حولنا، ونصادف وجوهًا جديدة، ونصنع ذكريات أخرى، ثم نفاجأ، في لحظة لا نهيئ لها أنفسنا، بأن الماضي لم يكن وراءنا كما توهّمنا؛ كان يسير معنا، صامتًا، ينتظر إشارةً صغيرة كي يفتح بابه.
وقد تكون تلك الإشارة أبسط مما نظن.
صوتٌ يشبه صوتهم.
طريقةٌ في الضحك.
مكانٌ مررنا به ذات يوم.
أو سؤالٌ نريد أن نطرحه عليهم، ثم نتذكر، بعد لحظةٍ موجعة من الصمت، أننا لم نعد نستطيع.
في تلك اللحظة، نفهم أن الغياب ليس فراغًا.
الفراغ مساحةٌ خالية، أما الغياب فهو امتلاءٌ من نوعٍ آخر؛ امتلاء المكان بما كان فيه، وامتلاء القلب بمن لم يعد فيه. ولهذا قد يكون الغائب، أحيانًا، أشد حضورًا من كثيرٍ من الحاضرين؛ لأن الحضور يعتاد، أما الغياب فيوقظ الحواس كلها.
ثم إن بعض الذين رحلوا لا يتركون وراءهم ذكرى فحسب، بل يتركون معيارًا نقيس به الأشياء.
نقابل الناس بعدهم، فلا نقارنهم بهم عمدًا، لكن شيئًا في داخلنا يفعل. نمرّ بمواقف كان لهم فيها قول، فنسمع ذلك القول في ذاكرتنا. نتردد أمام قرار، فنتذكر كيف كانوا ينظرون إلى الحياة. نواجه العالم بوجهٍ أكثر صلابة، بينما تسكن في أعماقنا أصواتهم القديمة وهي تقول لنا، بطريقتها الخاصة، كيف نكون أقل قسوة، وأكثر اتساعًا، وأشد وفاءً لما يستحق.
هكذا يتحول الإنسان بعد رحيله من شخصٍ كان معنا إلى معنى يسكننا.
وهذا، ربما، هو الشكل الأعمق للبقاء.
أن يترك المرء فينا شيئًا لا يستطيع الموت أن ينتزعه؛ قيمةً، أو رحمةً، أو شجاعةً، أو طريقةً مختلفة في النظر إلى الحياة. أن يصبح غيابه سببًا لأن نحيا بعض ما علّمنا إياه، دون أن نشعر أننا نفعل ذلك من أجله.
فالذين نحبهم لا ينتهون حين تنتهي أيامهم معنا.
إنهم يتنقلون من الخارج إلى الداخل.
من الصورة إلى الذاكرة.
من الصوت إلى الصدى.
ومن حضورٍ كانت تطاله أيدينا، إلى حضورٍ لا تطاله إلا الروح.
ولذلك، ربما لا ينبغي لنا أن نسأل: أين ذهب الذين رحلوا؟
فبعض الرحيل لا يقود إلى مكان.
إنه يقود إلى داخلنا.
هناك، في أعمق مواضع القلب، حيث لا تصل يد النسيان، وحيث يحتفظ الإنسان بما عجز الزمن عن أخذه منه، يظل الذين أحببناهم جالسين إلى جوارنا بطريقةٍ لا يراها أحد.
نحادثهم دون صوت، ونستعيدهم دون موعد، ونبتسم أحيانًا لأن ذكرى منهم مرّت بنا فجأة، ثم نصمت؛ لأن بعض الحنين لا يحتاج إلى دمعة، بل يكفيه أن يمرّ بالقلب ليذكّرنا أننا كنا ذات يومٍ محظوظين بما يكفي لأن نحبّهم.
نعم، رحلوا.
لكن الرحيل لا يملك دائمًا الكلمة الأخيرة.
فثمة من يغادرون الحياة، ولا يغادروننا.
يمضون من أمام أعيننا، ويستقرون في أعماقنا.
يغيبون عن مقاعدهم، ويبقون في أماكنهم داخل الذاكرة.
ويغلقون أبوابهم خلفهم، ثم نكتشف، بعد زمن، أنهم لم يغادروا الباب أصلًا أختي حبيبتي رحيلك أوجعني.
رحلوا… ولم يغادروا.



