الثقافة والفنونالخواطر

قضايا وجدانيّة- ذاكرة الانتظار

كانت تأتي يوميّا في السّاعة الخامسة عصرًا إلى مكانٍ منعزلٍ عن العالم؛ لتقعد على كرسيّ متهالك لا يستند إلى جدار. وعلى مقعده أوراق مصفرّة كثيرة متناثرة عن يمينها ويسارها، وفي يدها كأس شاي ساخن تحتسي منه قطرةً قطرة، ثمّ تتركه جانبًا حتّى يبرد دون أن تشعر، وهي تنظر إلى ساعة يدها، وتعدّ تلك الأوراق واحدة تلو الأخرى.

تترك المكان بصمت لا يقطعه إلّا صوت خطواتها، وهي عائدةٌ من حيثُ جاءت. وفي اليوم التّالي، تعود من جديد إلى الكرسيّ ذاته، لتكرّر الطّقوس ذاتها بلهفةٍ وشوق لا تعرف لهما سرًّا.

وظلّت هكذا على المدى البعيد حتّى أدمنت المكان؛ فقد كانت تحافظ على المجيء إليه في ساعةٍ محدّدة حتّى لو استدعى ذلك أن تترك ما بين يديها من عمل.
كانت ترتدي أبهى ما عندها من ثياب، وتتطيّب بأزكى روائح العطور، وتكحّل عينيها بعناية، وتلوّن شفتيها بأحمر شفاه تحبّه.

كانت هذه حالها يوميّا، تمضي وقتًا طويلًا فوق ذلك الكرسيّ، قبل أن تعود أدراجها دون أن يدور في خلدها لِمَ تفعل كلّ ذلك، أو ما سرّ الانتظار الذي لا يثمر عنه أيّ شيء.

وغاب عنها الزّمن، وهي على هذه الحال، إلى أن رجع ابنها ذات يومٍ من سفرٍ دام سنوات. رآها على هيئتها فاستبدّ به العجب؛ فقد بقيت على الحال الّتي تركها عليها، ولم ينطبع في ذاكرتها سوى ذلك المشهد:
كرسيّ متهالك، وأوراق صفراء، وكأس شاي، وساعة تنتظر موعدًا لم يعد يأتي…
وظلّت تعيشه كلّ يومٍ، دون أن تدري السّبب.

بواسطة
نعيمة السّعديّة- سلطنة عُمان
المصدر
مجلة_المشرق_العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?