الاعلام والتنمية

لا تجعل نجاحك مشروطًا بتصفيق الآخرين

بقلم/ طاهرة الشامسي
كاتبة عمانية

ليس من الحكمة أن تجعل نجاحك مرهونًا بتصفيق الآخرين، ولا من الإنصاف أن تقيس قيمة إنجازاتك بمقدار ما تحظى به من إعجاب أو ثناء. فالحياة لا تسير وفق أهواء الجميع، والناس لا ينظرون إلى الأشياء بالعين نفسها، ولا يملكون المعايير ذاتها للحكم على النجاح والتميز. وما يراه أحدهم إنجازًا عظيمًا، قد يمر أمام آخر دون أن يلتفت إليه، وما يستحق الاحتفاء في نظر البعض، قد لا يجد صداه لدى آخرين. لذلك، لا تجعل اختلاف نظرات الناس سببًا للتشكيك في قدراتك، ولا تسمح لغياب كلمات الإشادة أن يطفئ وهج ما تحمله من طموح.

إن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان أن يربط ثقته بنفسه برضا الآخرين، فيصبح أسيرًا لآرائهم، ينتظر منهم إشارة ليواصل الطريق، وكلمة ليطمئن، وتصفيقًا ليشعر بأنه يسير في الاتجاه الصحيح. ومع مرور الوقت، قد يتحول سعيه من رغبة صادقة في الإنجاز إلى محاولة مستمرة لإرضاء الجميع، فيفقد عفوية أحلامه، ويستنزف طاقته في البحث عن القبول بدلًا من الاستثمار في قدراته وتطوير ذاته.

والحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور دائم، بل يحتاج إلى إيمان راسخ بالهدف، وعمل متواصل، وصبر على الطريق، وثقة لا تهتز أمام قلة المصفقين. فليس كل إنجاز عظيم تصاحبه ضجة، وليس كل نجاح يستحق التقدير يجد من يقدره في وقته. هناك نجاحات تنمو في صمت، وأحلام تكبر بعيدًا عن الأعين، وخطوات صغيرة لا يلاحظها أحد، لكنها تصنع في النهاية فارقًا كبيرًا في حياة أصحابها.

لا تنتظر أن يفهم الجميع طموحك، فبعض الأحلام لا تتضح معالمها إلا بعد أن تتحقق. ولا تنتظر أن يصفق لك الآخرون في كل مرة تخطو فيها خطوة إلى الأمام، فربما كنت في مرحلة البناء، بينما ينتظرون منك النتائج النهائية. وقد تجد من يقلل من جهودك، أو يتجاهل إنجازاتك، أو ينسب نجاحك إلى الحظ، لا إلى ما بذلته من وقت وجهد وإصرار. وهنا تحديدًا يظهر نضجك، حين تواصل العمل دون ضجيج، وتحافظ على اتزانك دون أن تنشغل بإثبات نفسك لكل عابر.

وليس المقصود أن تتجاهل آراء الآخرين أو ترفض النقد، فالعاقل من يستمع إلى النصيحة الصادقة، ويستفيد من التجارب، ويعيد النظر في خطواته متى اكتشف خطأً أو قصورًا. لكن الفرق كبير بين من يستفيد من آراء الناس لتطوير نفسه، ومن يمنحهم سلطة تحديد قيمته ورسم حدود طموحه. فالأول يتعلم وينمو، أما الثاني فيظل مترددًا، يخشى خيبة توقعاتهم أكثر مما يخشى ضياع فرصه.

تذكر أن لكل إنسان رحلته الخاصة، وظروفه المختلفة، ومعاييره التي يقيس بها تقدمه. فلا تقارن بداياتك بنهايات الآخرين، ولا تقلل من إنجازك لأن غيرك حقق أكثر منه، ولا تؤجل فرحتك حتى يأتي من يمنحك الإذن بالاحتفال. يكفيك أن تكون اليوم أكثر وعيًا من الأمس، وأكثر خبرة، وأقرب إلى أهدافك، وأكثر قدرة على تجاوز ما كان يعطلك في السابق. هذه انتصارات تستحق أن تعتز بها، حتى إن لم يلاحظها أحد.

ومن المهم أيضًا أن تدرك أن التصفيق قد يكون صادقًا، وقد يكون عابرًا، وقد يغيب لأسباب لا علاقة لها بجودة ما قدمته. أما القيمة الحقيقية لما تصنعه، فتظهر في أثره، وفي مقدار ما يضيفه إلى حياتك وحياة الآخرين، وفي المبادئ التي حافظت عليها وأنت تسعى إليه. فلا تجعل بحثك عن الشهرة يسرق منك متعة الإنجاز، ولا تجعل رغبتك في الإعجاب تدفعك إلى التنازل عن قناعاتك أو ارتداء شخصية لا تشبهك.

امضِ في طريقك بثقة، لا بغرور، واعتز بجهدك، لا بتعالٍ على الآخرين، واحتفِ بإنجازاتك، دون أن تنتظر شهادة من أحد. كن منصفًا مع نفسك، واعترف بما تبذله من جهد، وتعلم من عثراتك، وواصل السعي حتى حين يبدو الطريق طويلًا، وحتى حين تشعر أن ما تقدمه لا يجد التقدير الذي يستحقه. فبعض الثمار تحتاج إلى وقت كي تنضج، وبعض النجاحات لا تُفهم قيمتها إلا بعد أن تكشف الأيام أثرها.

ختامًا..
التصفيق لحظة عابرة، أما الإنجاز الحقيقي فيبقى أثرًا، والثقة بالنفس ليست أن يراك الجميع ناجحًا، بل أن تعرف قيمة ما تملك من قدرات، وتعمل على تطويرها، وتواصل طريقك بثبات، حتى عندما لا يكون حولك سوى صوتك الداخلي وهو يقول لك: ما دمت تؤمن بهدفك، وتسعى إليه بصدق، فلا تتوقف لمجرد أن التصفيق تأخر.

للتواصل مع الكاتبة
tahra.alshamsi74@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?