
- هل ما زال العالم يُدار بالقانون؟ أم أننا دخلنا زمنًا جديدًا تُحكم فيه السياسة بمنطق القوة والهيمنة؟ سؤال لم يعد نظريًا، بل بات واقعًا يفرض نفسه في كل أزمة دولية، وكل قرار مفاجئ، وكل تصريح يهزّ موازين العالم. على الورق، يبدو كل شيء منظمًا. هناك منظومة دولية، واتفاقيات، وقرارات تصدر عن مؤسسات مثل الأمم المتحدة، تُفترض أن تكون المرجع الأعلى لتنظيم العلاقات بين الدول. لكن الواقع يكشف صورة مختلفة تمامًا: القانون موجود، نعم… لكنه ليس دائمًا من يملك الكلمة الأخيرة. في السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا أن القوة—بمختلف أشكالها—هي اللاعب الحقيقي في السياسة الدولية. فالدول الكبرى لم تعد تكتفي بالتحرك ضمن الأطر القانونية، بل باتت تعيد تفسير هذه القواعد أو تتجاوزها عندما تتعارض مع مصالحها. وهنا تحديدًا، برز اسم دونالد ترامب كواحد من أكثر القادة إثارة للجدل، ليس فقط بسبب قراراته، بل بسبب الطريقة التي أعاد بها تعريف “اللعبة السياسية” نفسها. لم يكن ترامب رئيسًا تقليديًا. لقد جاء بخطاب صادم، مباشر، وأحيانًا مستفز، ليقول للعالم بشكل واضح: “المصالح أولًا… والقانون يأتي لاحقًا”. هذا النهج لم يكن مجرد شعارات انتخابية، بل تُرجم إلى سياسات فعلية، من الانسحاب من اتفاقيات دولية، إلى فرض ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. لكن ما يجعل هذه التجربة أكثر إثارة هو أنها أعادت إلى الواجهة نمطًا من القيادة يذكّر بنماذج تاريخية قامت على فكرة السيطرة المطلقة. فالبعض يرى في هذا الأسلوب صدىً بعيدًا لنهج جنكيز خان، حيث تُفرض الإرادة دون تردد، بينما يرى آخرون ملامح من عقلية “القرار الواحد” التي ارتبطت رمزيًا بصور مثل فرعون، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السلطة. قد تبدو هذه المقارنات حادة، لكنها تعكس حقيقة أعمق: العالم لم يعد كما كان. فبدلًا من لغة الدبلوماسية الهادئة، أصبحنا أمام لغة جديدة تقوم على الصدمة، والمفاجأة، وإدارة المشهد عبر الإعلام. لم يعد القائد السياسي يكتفي باتخاذ القرار، بل أصبح يصنع الحدث، ويقوده، ويوجّه ردود الفعل عليه في الوقت ذاته. وهنا تكمن الخطورة. عندما تتحول السياسة إلى عرض مفتوح، يصبح من السهل تجاوز الخطوط الحمراء، وتهميش القواعد التي بُني عليها النظام الدولي. فماذا يعني أن تنسحب دولة كبرى من اتفاقية دولية دون عواقب حقيقية؟ وماذا يعني أن تُفرض سياسات أحادية على العالم دون الرجوع إلى مؤسسات يفترض أنها تمثل الجميع؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل بمرحلة كاملة يعيشها العالم اليوم. مرحلة تتراجع فيها فكرة “التوافق الدولي”، لصالح منطق “من يملك القوة يفرض القواعد”. ومع تصاعد هذا الاتجاه، يصبح القانون الدولي أشبه بإطار نظري جميل… لكنه عاجز في كثير من الأحيان عن فرض نفسه على أرض الواقع. ومع ذلك، لا يمكن إعلان نهاية القانون الدولي. فما زالت هناك منظومات تعمل، واتفاقيات تُحترم، ومصالح مشتركة تدفع الدول إلى التعاون. لكن المشكلة تكمن في الانتقائية: حين يُطبّق القانون على الضعيف، ويُتجاوز عندما يتعلق بالأقوياء، يفقد تدريجيًا هيبته وفاعليته. إن العالم اليوم يقف على مفترق طرق حقيقي. إما أن يستعيد التوازن بين القانون والقوة، أو ينزلق نحو مرحلة أكثر فوضوية، تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق الصفقات والضغوط، بدلًا من القواعد والالتزامات. وفي قلب هذا التحول، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نشهده هو مجرد مرحلة عابرة في السياسة العالمية، أم بداية لعصر جديد تُكتب قواعده بلغة القوة لا القانون؟ الإجابة لم تتضح بعد… لكن المؤكد أن العالم لم يعد كما كان، وأن ما يجري اليوم سيحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة.



