الثقافة والفنون
أخر الأخبار

وإن عدتم عدنا

اقرأ في هذا المقال
  • تسير الحياة وفق سنن ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، ومن بين هذه السنن أن الإنسان يجني ثمار ما يزرع، خيرا كان أو شرا، فمن يزرع شوكا لا يحصد إلا شوكا، ومن يزرع وردا لا يجني إلا وردا، فلا هذا يحصد وردا، ولا ذاك يجني شوكا. ولئن خفي على الناس بعض ما يدبره المسيء في الخفاء، فإن سنن الكون لا تنخدع، وعدل الله لا يغيب، وما يفعله سيرتد إليه وإن طال الزمن، فالأيام لا تنسى، والقدر لا يهمل، والجزاء ماض في طريقه لا يمنعه شيء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت فكن ما شئت كما تدين تدان ) أي كما تفعل تجازى بفعلك، وكما تفعل يفعل معك، وفي الحديث القدسي، قال تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما فلا تظالموا، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمت فاستطعموني أطعمكم يا عبادي لم يبلغ ضركم أن تضروني ولم يبلغ نفعكم أن تنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وجنكم وأنسكم اجتمعوا وكانوا على أفجر قلب رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي مثقال ذرة ويا عبادي لو أن أولكم وآخركم وجنكم وأنسكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني جميعا فأعطيت كل إنسان منهم مسألته لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما يتقص المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد إليكم فمن وجد خيرا فليحمدني ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) لتظل القاعدتان "كما تدين تدان" و"إنما هي أعمالكم ترد عليكم" ثابتتين وماثلتين أمام أعين الناس في كل زمان ومكان. كما ورد في الأمثال "كله سلف ودين حتى المشي على الرجلين". "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا". والشر الذي يدبره الإنسان للآخرين كصدى الصوت يرتد إلى مرسله، وربما يتضخم في طريق ارتداده، فيصيب صاحبه بأكثر مما أراد أن يصيب به غيره، فضلا عن أنه يورثه ظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، وضيقا في الصدر، واضطرابا في النفس، ويؤول به في النهاية بهزيمة قبل أن يكون أذى لغيره، ولن يهنأ إنسان بخير وينعم بطمأنينة وسكينة مادام يؤذي غيره، ولو بدا في ظاهر أمره بخلاف ما يبطنه حاله. قال تعالى ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) فاطر 43 أي أن وبال المكر والخديعة يعود على صانعه ومخططه، فمن أراد السوء بالآخرين يرجع السوء إليه عاجلا أو أجلا، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إياك ومكر السيئ فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ). وقد روي عن محمد بن كعب القرظي ثلاث من فعلهن لا ينجو حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب الله ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) فاطر 43 ( إنما بغيكم على أنفسكم ) يونس 23 ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) الفتح 10 وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لا يرحم لا يرحم ) فالله سبحانه وتعالى يرحم من عباده الرحماء. فمن يسعى لإيذاء شخص ما، أو إيقاع الضرر به، بقول أو فعل، ستدور به الأيام ليجد من يرد إليه الأذى نفسه، ويوقع به الضرر ذاته. ومن يحتقر الآخرين سيأتي يوم يذوق فيه مرارة الاحتقار نفسه. ومن يخون تفتح عليه أبواب الخيانة من حيث لا يحتسب. ومن يجرح غيره بالكلام سيسمع ما يجرحه بنفس الكلمات أو بأخرى أشد وقعا وأعمق ألما. ومن يكسر قلب غيره، قد يكسر قلبه بنفس الطريقة ذاتها أو يتذوق ألما مماثلا. ومن يكذب سيجد من يكذب عليه. ومن يشوه سمعة الآخرين ظلما، ومن يحسد غيره على نجاحه، ومن يكيد بالآخرين، سرعان ما تعود أفعاله إليه، فيفقد ثقة الآخرين واحترامهم، وتتشوه سيرته في مقام آخر، وتتعثر خطواته، ويحرم من النجاح والراحة. وأما الخير فهو يعود على صاحبه نورا وسكينة، فمن أراد أن يعيش مطمئنا، فليزرع الخير في كل طريق، وليعف عمن ظلمه، وليحسن إلى من أساء إليه، فالأفعال الطيبة تصنع للإنسان حصنا يحميه من تقلبات الزمن، هو وذريته من بعده. ولنا في سورة الكهف عبرة على صلاح الحال لا يقتصر أثره على الفرد فحسب، بل يمتد أثره ليصل للأبناء أيضا، فمن يكن صالحا، يرتد صلاحه على ذريته، فيحفظ مالا لهم بقدرة الله حتى يكبروا، بتسخير الله عز وجل من يبني جدارا يختبئ تحته كنز إلى أن يكبرا ويستخرجا كنزهما، قال تعالى ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ) الكهف 82 وقال تعالى ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) النساء 9 جاء في تفسير القرطبي: قالت طائفة من العلماء: المخاطب بهذه الآية جميع الناس، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده من بعده. ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له: يا أبا بشر، ودي ألا يكون لي ولد. فقال لي: ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحب أو كره، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا الآية. وفي رواية أخرى: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟. فقلت: بلى. فتلا هذه الآية. ومن الأدلة على أن الأعمال الصالحة تنجي صاحبها في الدنيا: خرج ثلاثة رجال ممن كان قبلنا، فأصابهم المطر فلجأوا إلى غار في جبل، فانحدرت صخرة عظيمة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج. فقال بعضهم لبعض:لن ينجينا الله مما نحن فيه إلا أن ندعوه بصالح أعمالنا. فبدأ كل واحد يذكر عملا صالحا خالصًا فعله لله وحده: قال الأول: كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أقدم طعاما ولا شرابا على طعامهما، وفي ليلة تأخرت عليهما، فلما جئت وجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أسقي أولادي قبلهما، فظللت واقفا أحمل اللبن عند رأسي من الليل حتى طلع الفجر، حتى استيقظا فشربا. ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة قليلاً، لكن لا يستطيعون الخروج. وقال الثاني: كنت أحب ابنةَ عمي حبا شديدا، وطلبتها فلم توافق، حتى جاء عام شديد فاحتاجت، فوافقت أن أمكنني من نفسها مقابل مال، فلما قدرت عليها، قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فتركتها رغم قدرتي عليها، وتركت المال لها خوفا من الله، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا، فانفرجت الصخرة أكثر، لكن لا يزال الباب مغلقا. وقال الثالث استأجرت رجل على أجر، فلما انتهى من عمله لم يأخذ أجره ومضى. فجمعت أجره وثمرته له، من بقر وغنم ورقيق،حتى صار مالًا كثيرًا، ثم جاء بعد مدة طويلة يطلب أجره، فقلت: كل ما ترى من مال هو أجرك. فأخذه كله وذهب: ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك، فافرج عنا، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون سالمين. فمن وجد مردود أعماله خيرا فليحمد الله على توفيقه إياه للخير، ومن وجد غير ذلك أي فلا يلومن إلا نفسه، لأنه صادر عنه ومن ذاته، ولا تصيب الإنسان مصيبة أو شدة ولا يناله نعمة أو فرج إلا نتيجة أعماله وما يفعله من خير أو شر، قال تعالى ( ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) القصص 47 فكن حذرا حين تقدم على أي فعل، وتأمل ردته التي قد تعود إليك يوما ما، ولكن متى تأتي؟ وفي أي صورة ستظهر؟ وهل ستكون قادرا على احتمالها وصد عواقبها، أم ستنهار أمامها تحت ثقلها؟. وإن لم تدركك في الدنيا، فقد يؤجل حسابها إلى يوم القيامة، وذلك كله مما استأثر الله تعالى بعلمه. وتذكر دائما، إن لم تكن ترى الله فهو يراك، فاستحضر في كل خطوة تخطوها، أنك تحت رقابة لا تغيب، كأنك محاصر بكاميرات تسجل حركاتك وسكناتك، وأجهزة ترصد همساتك وصخبك، كما هو الحال في كثير من الأحياء وأماكن العمل وخلافه، وإذا كنت ترى هذه الأجهزة، ويمكنك تفاديها أو التحايل عليها، فإنك لا ترى الله ولا يمكنك أن تحجب رؤيته لك أو تحجب عنه رؤيتك، ولا أن تمنع علمه بك، فهو يراك في كل حين وعلى كل حال. وسارع إلى التوبة من معصية الله وأذى الناس، واستكثر من الاستغفار، واملأ قلبك ندما على ما اقترفت، واعزم عزما صادقا على ألا تعود لمثله أبدا، فإن عدت، أعاد الله عليك عقوبته في الدنيا، مع ما يدخره لك في الآخرة من حساب، ولا يظلم ربك أحدا. قال تعالى في سورة الإسراء آية 8 ( عسى ربكم أن يرحمكم وأن عدتم عدنا ) وإذا كان الخطاب في هذه الآية موجها إلى بني إسرائيل، ولكنها سنة جارية في سائر الأمم والأفراد جميعا، وإن عدتم لمعصيتي ومخالفة أمري والإفساد في الأرض عدنا إلى عقوبتكم في الدنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، وقال تعالى ( ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ) المائدة 95 ومعنى الآية أن العبد يذوق وبال معصيته وعقوبتها، وأن عفو الله واسع دائم وقائم، يشمل ما سلف لمن تاب وأناب، وندم وأقلع، وأما من أصر على المعصية وعاد إليها بعد العلم والإنذار، فإنه يقع تحت التهديد والوعيد الإلهي. وقال تعالى ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين ) الأنفال 38 وكذلك فإن كان الخطاب هنا موجها للذين كفروا، إلا أن القاعدة عامة، فإن ينتهوا عما هم فيه تفتح لهم أبواب المغفرة، وإن يعودوا إلى ما كانوا عليه أو يستمروا على ما هم فيه، فقد مضت سنتنا في الأولين أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة، ولا يعجزون الله في شيء.
بواسطة
أشرف شعبان أبو أحمد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?