
- الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: كثيرة هي اللحظات الفارقة في حياتنا ، والتي لا تتكرر لعزتها أو ندرتها وقلتها ، وقليل من ينتبه لوجودها وأهميتها. من هذه اللحظات ذات التأثير الواقعي في حياة كلٍّ منا أن تأتيه الفرصة تلو الأخري ليعدل من وضعٍ سيء ، أو يتوب من ذنب أو معصية لكنه يسوّف ، يتكاسل ، يتراخي .. إلي غير ذلك من حظوظ وشهوات نفسه. فينتهي عمر اللحظة المؤثرة والتي لا تتكرر بدون فائدة ولا استثمار أمثل لها ، فيقع في دائرة ما ذكره الله تعالى :{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [سورة الزمر، الآيات: 55-59]. فانظر بعين المبصر ، كم من تحذير الله عز وجل لكل غافل متمادي في الغفلة ، وانظر فارق اللحظة التي أنت فيها قبل أن تتحسر و تندم ولات حين مندم ، فساعتها لن تنتفع بسخريتك و لا ضحكاتك التي ضحكت و أضحكت بها في الدنيا متلهياً عن طريق الله و أمره. و ساعتها لن ينفعك التمنى فلا عمل هناك و إنما هو الحساب و الجزاء, فلن ترد إلى الدنيا لتعمل و لن تعطى فرصة أخرى بعدما استنفدت رصيدك من الإمهال في حياتك الدنيا. ، وأمثال اللحظة الفارقة كثير منها : قول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}. (سورة الفرقان، الآية: 27) فهنا يخبر الله تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق النبي ﷺ وما جاء به من عند الله من الحق المبين ، الذي لا مرية فيه ، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول ، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم ، وعض على يديه حسرة وأسفا . ، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء ، فإنها عامة في كل ظالم ، كما قال تعالى : ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) [سورة الأحزاب، الآيات : 66 - 68 ] فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم ، ويعض على يديه قائلا ( يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا). وقد تكون اللحظة هي أهم لحظات حياتك فتغير حياتك وتنقلها إلي حيث النعيم المقيم والخير العظيم ، كما هي اللحظة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي طالبٍ حينَ حضَره الموتُ : ( قُلْ لا إلهَ إلَّا اللهُ أشفَعْ لك بها يومَ القيامةِ ) قال : يا ابنَ أخي لولا أنْ تُعيِّرَني قُريشٌ لَأقرَرْتُ عينَيْكَ بها فنزَلَتْ : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [سورة القصص، الآية: 56] ( صحيح ابن حبان ،رقم : 6270 ) ، وروي المسيب بن حزن رضي الله عنه، أنَّ أبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ: أيْ عَمِّ، قُلْ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لكَ بهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أبو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ! فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حتَّى قَالَ آخِرَ شَيءٍ كَلَّمَهُمْ بهِ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنْه. فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة التوبة، الآية: 113]، ونَزَلَتْ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]. ( صحيح البخاري ، رقم: 3884 ) نعم فأمرُ الهِدايةِ بيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وله أسبابه التي يجب العمل بمقتضاها والسير في خطاها بل من الواجِب علي المُسلِمِ أنْ يَبذُلَ جُهدَه في دَعْوةِ العِبادِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وتَعريفِهم بالإسْلامِ، ويَدَعَ أمرَ الهِدايةِ له سُبحانَه وتعالَى؛ فهو وَحْدَه مُقلِّبُ القُلوبِ، والهادي إلى سَواءِ السَّبيلِ. تأمل اللحظة الفارقة هنا ، وكيف أدارها النبي المصطفى ﷺ باقتدارٍ تام وإحكام منقطع النظيرين ، فالإنسان قدماه تسيران به إلي الله تعالي ، فكيف باللحظة إن لم تدار كهذه . وفي هذا الحَديثِ الشريف يُخبِرُ الصَّحابيُّ المُسيِّبُ بنُ حَزْنٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ أبا طالِبٍ عمَّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا حضَرَتْه عَلاماتُ الوَفاةِ قبْلَ نَزْعِ الرُّوحِ، وقد دخَل عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان عندَه أبو جَهلٍ، فقال له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، كَلِمةً أشهَدُ لكَ بها عندَ اللهِ، فقال أبو جَهلٍ عَمْرُو بنُ هِشامِ بنِ المُغيرةِ وهو عَدوُّ اللهِ ورَسولِه، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ رَضيَ اللهُ عنه -قبْلَ إسْلامِه يومَ الفَتحِ، واستُشهِدَ في غَزْوةِ حُنَينٍ-: يا أبا طَالِبٍ، تَترُكُ مِلَّةَ عبدِ المُطَّلِبِ؟! والمُرادُ بها عِبادةُ الأصْنامِ والأوْثانِ، فلم يَزالَا يُكلِّمانِه حتَّى قال آخِرَ شَيءٍ كلَّمَهم به: أنا على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لَأستَغْفِرَنَّ لكَ ما لم أُنْهَ عنه»، أي: ما لم يَنْهَني ربِّي عن الاسْتِغْفارِ لكَ، فنزَل قولُ اللهِ تعالَى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة التوبة، الآية: 113] أي: ما كان يَنْبَغي للنَّبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والَّذين آمَنوا به أنْ يَدْعوا بالمَغفِرةِ للمُشرِكينَ، ولو كان هؤلاء المُشرِكونَ الَّذين يَستَغْفِرونَ لهم ذَوي قَرابةٍ لهم، مِن بعْدِ ما ظهَر لهم أنَّهم ماتوا على الشِّركِ، واستَحَقُّوا بذلك عذابَ النَّارِ، ونزَلَ في أبي طَالِبٍ قولُ اللهِ تعالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [سورة القصص، الآية: 56] ، أي: أحبَبْتَ هِدايَتَه، أو أحبَبْتَه لقَرابَتِه، أي: ليس ذلك إليكَ؛ إنَّما عليكَ البَلاغُ، واللهُ يَهْدي مَن يشاءُ، وله الحِكْمةُ البالِغةُ، والحُجَّةُ الدَّامِغةُ. وانظر أيها المحب لحبيبك ونبيك محمد ﷺ إلي كَمالُ شَفَقته ورَحمتِه، وحِرصُه على هِدايةِ النَّاسِ أجْمَعينَ، لا سيَّما عمُّه أبو طالبٍ. ثم انظر كم من اللحظات الثمينة تضيع عليك وأنت تضيعها بسبب الأصدقاء غير الجيدين أصدقاء السوء والمنفعة القريبة العاجلة فالمَرء العاقل يَتخيَّرَ أصْحابَه وأهلَ مَجلِسِه؛ فإنَّ شُؤمَ صاحِبِ السُّوءِ يضُرُّ بالدُّنْيا والآخِرةِ جَميعًا. وهي هي نفس اللحظة: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [سورة المؤمنون ، الآيتان 99 - 100]. هيهات هيهات الرجوع والعودة، وقد أضعت اللحظة الفارقة بنفسك وعلي نفسك دون أي فائدة. فاللحظة التي بعدها مقتضاها أنه لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون. ومن اللحظات الفارقة، أن تضيع علي نفسك اللحظة الثمينة التي أنت فيها دون ذكر ودعاء واستغفار وصدقة فلا تحصلها مرة أخري. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }. (سورة المنافقون، الآيات: 9_ 11). فأمثال هؤلاء حقيقة هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى. أضاعوا اللخظات الثمينة دونما فائدة ترجي أو خير يطلب . فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما من أحد يموت ولم يؤدّ زكاة ماله ولم يحجّ إلا سأل الكرّة، فقالوا: يا أبا عباس لا تزال تأتينا بالشيء لا نعرفه؛ قال: فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله: ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ) قال: أؤدي زكاة مالي ( وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: أحجّ. وعن الضحاك رضي الله عنه يقول في قوله: لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نـزل به الموت وله مال كثير لم يزكه، ولم يحجّ منه، ولم يعط منه حق الله يسأل الرجعة عند الموت فيزكي ماله، قال الله: ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) . فهي اللحظة استثمرها جيداً لأنها إن ذهبت عنك لا تعود إليك ، لحظة تسعد فيها يتيم ، أو تزيل بها هم فقير أو مسكين ، أو تدفع بها دين غارم، أو تحقق بها أمانا لمريض أو مبتلي أو عجوز كبير . كم تغير اللحظة لو أحسن إدارتها من حياة الكثير منا ؟! لعلها لحظة الفرج والأمل والنصر كهذه اللحظة: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }(سورة يوسف، الآية: 110) فهنا يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك . تأتي اللحظة الفارقة لتغير من كافة الأمور. اللهم لحظةً فارقةً مهمةً لعمار قلوبنا وبيوتنا وأرواحنا يا أرحم الرّاحمين.



