السياحة والتراث
أخر الأخبار

مسجد فيقا… جامع أثري يروي قصة السيول وتاريخ الباطنة في عُمان

اقرأ في هذا المقال
  • في قلب التاريخ العُماني، تقف الجوامع القديمة كشواهد حيّة على ما مرّت به البلاد من أحداث وتحولات، ويبرز مسجد فيقا في منطقة الباطنة كأحد أهم هذه المعالم التي تختزن في جدرانها حكايات الماضي، بين ازدهارٍ عمراني وكوارث طبيعية غيّرت ملامح المكان، لتبقى هذه الجوامع عنوانًا للثبات والاستمرارية رغم تغير الزمن. تشير الروايات التاريخية إلى أن مسجد فيقا يقع في إحدى قرى الباطنة، وقد ارتبط اسمه بمرحلة ما قبل السيول الجارفة التي ضربت المنطقة في القرن الثالث الهجري. وتذكر المصادر أن هذه المنطقة كانت عامرة بالنخيل والمياه والآبار، وكانت تشكّل بيئة زراعية مزدهرة يعيش فيها الأهالي باستقرار، حيث شكّلت المياه الجارية موردًا أساسيًا للحياة، وأسهمت في بناء مجتمع متماسك يعتمد على الزراعة والتجارة. لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، إذ اجتاحت سيول عظيمة المنطقة في حادثة وُصفت بأنها من أشد الكوارث التي شهدتها عُمان في ذلك الزمن. فقد هطلت الأمطار بغزارة غير مسبوقة، أعقبها تدفق سيول جارفة جرفت المنازل والمزارع والأموال، وتسببت في غرق العديد من السكان، وأجبرت من بقي منهم على النزوح وترك أوطانهم بحثًا عن مناطق أكثر أمانًا، في مشهدٍ إنساني مؤلم غيّر حياة الناس بشكل جذري. وسط هذا المشهد المأساوي، بقي مسجد فيقا قائمًا، ليصبح شاهدًا حيًا على ما حدث، ودليلًا واضحًا على موقع البلدة القديمة التي اندثرت معالمها. وتُشير بعض الروايات إلى أن المسجد يعود في بنائه إلى مبادرة من إحدى نساء المنطقة، في دلالة لافتة على دور المجتمع المحلي، رجالًا ونساءً، في إنشاء المساجد ورعايتها، وهو ما يعكس روح التعاون والتكافل التي تميّز بها المجتمع العُماني عبر التاريخ. كما ارتبط المسجد بمرحلة ما بعد الكارثة، حيث أصبح نقطة مرجعية للسكان، ومعلَمًا يُستدل به على الأرض القديمة بعد أن تغيّرت طبيعتها، وغارت الآبار، واختفت كثير من معالم الحياة. ومع مرور الزمن، بقي المسجد قائمًا رغم كل التحولات، ما أكسبه قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، وجعله أحد الرموز التي تعكس عمق الذاكرة المحلية. ولم تكن هذه السيول حادثة منفردة، إذ شهدت مناطق مثل صحار والباطنة سيولًا أخرى في فترات لاحقة، أدت إلى دمار واسع وخسائر بشرية ومادية كبيرة، وهو ما يعكس طبيعة التحديات التي واجهها الإنسان في تلك الحقبة. ورغم قسوة تلك الظروف، استطاع السكان إعادة بناء حياتهم من جديد، وكان للجامع دور محوري في إعادة تنظيم المجتمع واستعادة الاستقرار. ومن الناحية المعمارية، يتميز مسجد فيقا ببساطته التي تعكس الطراز التقليدي للمساجد العُمانية القديمة، حيث تتجلى فيه روح العمارة المحلية التي تعتمد على المواد الطبيعية، وتنسجم مع البيئة المحيطة. هذه البساطة لا تقلل من قيمته، بل تضفي عليه طابعًا أصيلًا يعكس هوية المكان وثقافته. اليوم، يمثل مسجد فيقا جزءًا مهمًا من التراث العُماني، ليس فقط كمكان للعبادة، بل كوثيقة تاريخية حيّة تروي قصة الإنسان مع الطبيعة، وصموده في وجه الكوارث، وتمسكه بهويته الدينية والاجتماعية. كما يشكّل هذا الجامع محطة مهمة للمهتمين بالتاريخ والتراث، الذين يرون فيه نموذجًا حيًا لما كانت عليه الحياة في عُمان قديمًا. ويبقى مسجد فيقا أكثر من مجرد جامع قديم، فهو رمزٌ للاستمرارية، وشاهدٌ على تاريخٍ عميقٍ من التحولات، يعكس روح المكان والإنسان في عُمان عبر القرون. وخلال زيارة مجلة المشرق العربي لمسجد فيقا، برزت ملامح الجمال المعماري والتاريخي في تفاصيله، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهدٍ يعكس عمق الهوية العُمانية. وبكل اعتزاز، قام الفن الشامي بديكور يجمع بين بيت التراث الدمشقي الخشبي وأصالة وثقافة عُمان، ليكون مسجد فيقا لوحة فنية خالدة تجمع بين الماضي والحاضر.
بواسطة
محمد منذر ورد
المصدر
مجلة المشرق العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Need Help?