“سلطانة”.. السفينة العُمانية التي أبحرت من مسقط إلى نيويورك وكتبت أول صفحة في العلاقات العربية الأمريكية

حين يُذكر التاريخ البحري العُماني، تتجه الأنظار إلى حقبة كانت فيها عُمان واحدة من أعظم القوى البحرية في العالم، تمتد تجارتها ونفوذها من سواحل الخليج العربي إلى شرق أفريقيا والهند، وصولًا إلى الموانئ الأوروبية والأمريكية. وفي قلب ذلك التاريخ تقف السفينة “سلطانة”، التي لم تكن مجرد سفينة خشبية تمخر عباب البحر، بل كانت رمزًا لدولة امتلكت رؤية استراتيجية سبقت عصرها، وآمنت بأن البحار ليست حدودًا تفصل بين الشعوب، بل جسورًا للتواصل والتجارة والسلام.
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت الدولة العُمانية في أوج ازدهارها بقيادة السلطان السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي، الذي نجح في بناء إمبراطورية بحرية واسعة امتدت من عُمان إلى زنجبار، وسيطرت على أهم طرق التجارة في المحيط الهندي. ولم يكن اهتمام السلطان مقتصرًا على توسيع النفوذ السياسي، بل كان يؤمن بأن ازدهار الأمم يبدأ من الاقتصاد، وأن التجارة هي اللغة التي تجمع الحضارات وتفتح أبواب التعاون بين الدول.
وفي تلك الفترة، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبرز قوةً اقتصاديةً صاعدة، تمتلك أسطولًا تجاريًا يتوسع عامًا بعد آخر. أدرك السلطان سعيد بن سلطان أهمية بناء علاقة مباشرة مع هذه الدولة الناشئة، فقرر القيام بخطوة غير مسبوقة في العالم العربي، بإرسال بعثة دبلوماسية وتجارية رسمية إلى الولايات المتحدة، تحمل رسالة سلام وصداقة، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي.
وقع الاختيار على السفينة “سلطانة”، إحدى أجمل وأقوى السفن العُمانية في ذلك الوقت، لتكون سفيرة السلطنة عبر المحيطات. وقد حملت على متنها المبعوث العُماني أحمد بن نعمان الكعبي، الذي أصبح أول مبعوث عربي رسمي يصل إلى الولايات المتحدة، إلى جانب نخبة من البحارة العُمانيين الذين اشتهروا بمهارتهم الفائقة في الملاحة وقيادة السفن في أصعب الظروف البحرية.
في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1839، غادرت “سلطانة” ميناء مسقط، حاملة رسالة رسمية من السلطان سعيد بن سلطان إلى الرئيس الأمريكي مارتن فان بيورين، إضافة إلى هدايا ثمينة تعكس ثراء الحضارة العُمانية، وبضائع تجارية ضمت التمور العُمانية، والقرنفل القادم من زنجبار، والقهوة، والعاج، والسجاد الفاخر، وغيرها من المنتجات التي اشتهرت بها السلطنة آنذاك.
كانت الرحلة طويلة وشاقة بكل المقاييس. فقد قطعت السفينة آلاف الأميال عبر المحيط الهندي، مرورًا بمحطات بحرية عدة، ثم عبرت المحيط الأطلسي وسط ظروف مناخية صعبة، في زمن لم تكن فيه السفن الحديثة أو وسائل الملاحة المتطورة متاحة كما هي اليوم. ومع ذلك، أثبت البحارة العُمانيون كفاءتهم العالية، حتى وصلت السفينة إلى ميناء نيويورك في الثلاثين من أبريل عام 1840، بعد رحلة استغرقت أكثر من أربعة أشهر.
كان وصول “سلطانة” حدثًا استثنائيًا في الولايات المتحدة. فقد تجمهر سكان نيويورك على الأرصفة لمشاهدة السفينة القادمة من بلاد بعيدة في الشرق، وكتبت الصحف الأمريكية عن الرحلة بإعجاب كبير، ووصفتها بأنها حدث تاريخي يعكس بداية مرحلة جديدة من العلاقات الدولية. كما استقبلت السلطات الأمريكية الوفد العُماني رسميًا، وحظي أحمد بن نعمان الكعبي بلقاء الرئيس مارتن فان بيورين، حيث سلّمه رسالة السلطان سعيد بن سلطان، في أول اتصال دبلوماسي مباشر بين دولة عربية والولايات المتحدة الأمريكية.
لم تكن الزيارة بروتوكولية فحسب، بل حملت أهدافًا اقتصادية واضحة. فقد نجحت البعثة في فتح أبواب التجارة بين البلدين، وعاد الوفد العُماني محملًا بمنتجات أمريكية، في خطوة أسهمت في تنشيط التبادل التجاري وتعزيز العلاقات الاقتصادية، ورسخت مكانة عُمان بوصفها دولة منفتحة على العالم، تمتلك القدرة على بناء الشراكات مع مختلف الأمم.
وأثبتت رحلة “سلطانة” أن عُمان لم تكن مجرد قوة بحرية تعتمد على موقعها الجغرافي، بل كانت دولة تمتلك رؤية سياسية ودبلوماسية متقدمة، جعلتها من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات رسمية مع الولايات المتحدة، في وقت كانت فيه معظم دول المنطقة بعيدة عن الساحة الدولية.
واليوم، وبعد أكثر من 186 عامًا على تلك الرحلة الخالدة، لا تزال “سلطانة” حاضرة في الذاكرة الوطنية العُمانية، ورمزًا للفخر والإرث البحري الذي صنعته أجيال من البحارة والتجار والقادة. كما أصبحت قصتها تُدرّس بوصفها نموذجًا للدبلوماسية الناعمة التي استخدمت التجارة والثقافة والحوار لبناء جسور التواصل بين الشعوب.
إن قصة “سلطانة” ليست مجرد صفحة من الماضي، بل رسالة متجددة تؤكد أن الأمم العظيمة تُبنى بالرؤية، وأن القيادة الحكيمة قادرة على تحويل سفينة خشبية إلى رمز عالمي يخلده التاريخ. وما قامت به عُمان في عام 1840 يعكس فلسفة ما زالت حاضرة حتى اليوم، تقوم على الانفتاح، واحترام الآخر، وتعزيز التعاون الدولي، وهي المبادئ التي تواصل السلطنة ترسيخها في علاقاتها مع مختلف دول العالم.
ولعل أعظم ما تركته “سلطانة” ليس فقط نجاحها في عبور المحيطات، بل نجاحها في عبور المسافات بين الشعوب، وإثبات أن الحوار يمكن أن يبدأ من ميناء، وأن سفينة تحمل رسالة سلام قد تصنع تاريخًا يمتد أثره لقرون. ولهذا ستبقى “سلطانة” واحدة من أبرز رموز الحضارة العُمانية، وشاهدًا خالدًا على أن عُمان كانت، وما تزال، أرضًا للسلام، وموطنًا للبحارة الذين حملوا إلى العالم قيم التسامح والتجارة والتواصل الحضاري.



