هل كانت سوريا المقصودة؟.. قراءة في رسائل خلف الحبتور حول الاستثمار والشعارات

أثار رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور تفاعلًا واسعًا بعد منشور تناول فيه أسباب نجاح بعض الدول في جذب الاستثمارات، مؤكدًا أن الاستثمار لا يجذبه الكلام ولا المؤتمرات، بل تجذبه البيئة الآمنة، والاستقرار، والتشريعات الواضحة، واحترام المستثمر باعتباره شريكًا في التنمية.
ورغم أن الحبتور لم يذكر سوريا بالاسم، فإن توقيت منشوره، الذي جاء بعد أشهر من إعلانه تعليق استثماراته في سوريا، فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت رسالته تحمل إشارات غير مباشرة إلى التجربة السورية، أم أنها جاءت لتقديم رؤية عامة حول متطلبات نجاح أي بيئة استثمارية.
وبعيدًا عن التأويل، فإن مضمون حديثه يعكس حقيقة اقتصادية متفقًا عليها عالميًا؛ فالدول التي تنجح في استقطاب الاستثمارات ليست تلك التي ترفع الشعارات أو تكثر من المؤتمرات، وإنما تلك التي توفر للمستثمر بيئة مستقرة، وتشريعات واضحة، وإجراءات مرنة، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ العقود.
فالمستثمر لا يقرأ البيانات الصحفية فقط، بل يراقب الواقع. ويسأل عن سرعة إنجاز المعاملات، واستقرار القوانين، واستقلال القضاء، وسهولة تحويل الأموال، وحماية الملكية، وشفافية الإجراءات، ومدى التزام الجهات الرسمية بما تعلنه. وهذه العوامل هي التي تصنع الثقة، والثقة هي رأس المال الحقيقي الذي تبحث عنه الاستثمارات.
أما بالنسبة لسوريا، فهي تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصادها بعد سنوات طويلة من الحرب. لكن هذه المرحلة تتطلب أكثر من إعلان النوايا أو إطلاق المبادرات، إذ تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية حقيقية، واستقرار تشريعي، وضمانات قانونية واضحة، وبيئة أعمال تمنح المستثمر المحلي والأجنبي الثقة الكافية لاتخاذ قرار الاستثمار.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال حجم التحديات التي تواجهها الحكومة السورية الجديدة، سواء في إعادة بناء المؤسسات، أو إصلاح البنية التحتية، أو معالجة الآثار الاقتصادية للحرب والعقوبات. لذلك فإن الوصول إلى بيئة استثمارية متكاملة لن يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، وإجراءات متواصلة، وإرادة تنفيذية تترجم الخطط إلى نتائج ملموسة.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول، وفي مقدمتها الإمارات، أن النجاح في جذب الاستثمار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من العمل على تعزيز سيادة القانون، وتطوير البنية التحتية، وتبسيط الإجراءات، وترسيخ الثقة بين الدولة والمستثمر.
ولنا رأي
قد يختلف المتابعون حول الدولة التي كان يقصدها خلف الحبتور، لكن الرسالة التي حملها منشوره تبدو واضحة: الاستثمار لا يستجيب للشعارات، بل للحقائق على أرض الواقع. فالمستثمر لا يبحث عن الخطابات بقدر ما يبحث عن الثقة، ولا يقيس نجاح الدول بعدد المؤتمرات، بل بمدى استقرارها وشفافية مؤسساتها وقدرتها على حماية استثماراته.
وإذا كانت سوريا تسعى إلى استعادة مكانتها الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال، فإن الطريق يبدأ ببناء الثقة عبر الإصلاحات، وتحويل الوعود إلى إجراءات، والمبادرات إلى مشاريع حقيقية. فحين يلمس المستثمر هذا الواقع، تصبح الشعارات داعمة للإنجاز، لا بديلًا عنه.



